في سابقة تُعد نقطة تحوّل في تاريخ مدينة نيويورك، فاز زهران ممداني، السياسي التقدمي ذو الأصول المهاجرة، برئاسة بلدية المدينة الأكبر في الولايات المتحدة، في لحظة سياسية مشحونة بعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.
موجة سياسية جديدة تعيد رسم المشهد الأميركي
لم يكن فوز ممداني مجرد حدث محلي محدود التأثير، بل كان إشارة إلى بداية تيار يساري جديد داخل الحزب الديمقراطي يسعى لتحدي منظومة المحافظين وإعادة تعريف مفاهيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية في أميركا المعاصرة.
منذ اللحظة الأولى لإعلان فوزه، بدا أن صعود ممداني يتجاوز حدود نيويورك. الشاب الذي تبنّى خطابًا صريحًا عن مجانية التعليم ورعاية الأطفال وتجميد الإيجارات، أطلق جدلاً واسعاً حول مستقبل السياسات الليبرالية في مواجهة نهج ترمب القومي الصلب.
في الأحياء الشعبية، احتفل أنصاره بانتصار “الجيل الجديد من الديمقراطيين”، بينما ساد القلق أوساط وول ستريت التي تخشى من تأثير سياساته الضريبية على رؤوس الأموال والاستثمارات.
ويبدو أن ممداني، بجرأته الخطابية وقدرته على مخاطبة الشارع، أصبح رمزًا لمرحلة جديدة في السياسة الأميركية، حيث لم يعد اليسار مجرد جناح فكري داخل الحزب الديمقراطي، بل اتخذ شكل حركة اجتماعية منظمة تعتمد على التكنولوجيا والتحالفات الشبابية، وهذا الصعود جاء في وقت حساس يشهد فيه المجتمع الأميركي انقساماً غير مسبوق بين نخبة رأسمالية مهيمنة وطبقات وسطى مهددة بالتراجع الاقتصادي.
إن ما حدث في نيويورك ليس حدثاً معزولاً، بل امتداد لتحولات أوسع في المزاج الشعبي الأميركي. فالمواطن العادي الذي تأثر بتقلبات الأسعار وتكاليف السكن، وجد في ممداني وجهاً يمثل غضبه من المؤسسات المالية والسياسية التي لم تعد تعبر عن همومه اليومية.
ترمب في مواجهة اليسار الجديد
منذ عودته إلى البيت الأبيض، حاول دونالد ترمب إعادة رسم الخريطة السياسية الأميركية على أساس قومي محافظ، محققًا التفافاً واسعاً في ولايات الجنوب والغرب الأوسط، لكن انتصارات الديمقراطيين الأخيرة، وعلى رأسها فوز ممداني، أعادت التذكير بأن الجبهة الليبرالية ما زالت حية ومؤثرة في المدن الكبرى، وأن روح المعارضة لم تمت رغم قبضة ترمب الصلبة على الحكم.
يرى محللون أن خطاب ترمب المعادي للمهاجرين ساهم دون قصد في تمكين شخصيات مثل ممداني، إذ حفّز الأقليات العرقية والشباب على المشاركة السياسية بشكل غير مسبوق، فحملات التهكم التي شنّها ترمب على خصومه “الاشتراكيين” لم تؤدِّ إلى تقليص شعبيتهم، بل منحتهم زخماً باعتبارهم صوت المقاومة المدنية داخل المدن الليبرالية.
أما في نيويورك تحديداً، فقد كانت المواجهة بين رمزية ترمب ورمزية ممداني أكثر عمقاً من مجرد منافسة حزبية، فالأول يمثل أميركا التقليدية المحافظة التي تخشى فقدان هيمنتها، بينما الثاني يجسد أميركا الجديدة المتنوعة التي تسعى لإعادة تعريف معنى القيادة. وقد تحولت المدينة إلى مرآة تعكس صراع رؤيتين متناقضتين لمستقبل البلاد.
تؤكد المؤشرات الأولية أن فوز ممداني قد يفتح الباب أمام موجة من المرشحين التقدميين في مدن أخرى مثل لوس أنجليس وشيكاغو وسان فرانسيسكو.
هذا الاتجاه التصاعدي قد يضع الحزب الديمقراطي أمام اختبار صعب: هل يحتضن هذا اليسار الجديد ويجعله طاقة متجددة للحزب؟ أم يخشى من راديكاليته التي قد تنفر الناخب الوسطي؟
التحالفات الشعبية والهوية المهاجرة
يُعد ممداني نموذجاً فريداً في المشهد الأميركي لأنه يجمع بين الانتماء المهاجر والتوجه السياسي اليساري، فهو ابن لأب أوغندي من أصل هندي وأم مصرية، تربى في حي كوينز متعدد الثقافات، ما منحه قدرة فريدة على التواصل مع مجتمعات المهاجرين التي تشكل أكثر من نصف سكان المدينة، وقد وظف تلك الخلفية لصالحه، مقدماً نفسه كرمز للهوية الأميركية الحديثة التي تحتضن التنوع لا تقمعه.
في حملته الانتخابية، ركز على ملفات العدالة الاجتماعية والاقتصادية، مقدماً وعوداً غير تقليدية مثل النقل المجاني والرعاية الصحية الشاملة للأطفال، وهي قضايا نادراً ما تُطرح في السباقات البلدية، ورغم الهجوم الذي تعرض له من خصومه باعتباره “اشتراكياً حالماً”، نجح في كسب تعاطف ملايين الناخبين الذين رأوا فيه صوتاً حقيقياً للتغيير.
من الناحية الرمزية، فإن انتخاب ممداني كأول مسلم لرئاسة بلدية نيويورك يحمل دلالات عميقة، خصوصاً في زمن يسوده التوتر بين الأقليات والإدارة الفيدرالية، فقد أعاد انتخابه الأمل للمجتمعات المسلمة والعربية التي ظلت لسنوات تشعر بالتهميش بعد أحداث سبتمبر، ووجدت في هذا الفوز انتصاراً معنوياً ورسالة بأن التعددية لا تزال ممكنة في أميركا.
أما بالنسبة للشارع الأميركي، فقد أثار فوز ممداني تساؤلات عن قدرة اليسار الجديد على الحكم، لا سيما في مدينة بحجم نيويورك تحتاج إلى توازن بين العدالة الاقتصادية والاستقرار المالي، فبينما يحتفل الشباب بفوزه، يقف رجال الأعمال في موقف حذر مترقبين توجهاته المقبلة
الاقتصاد بين الرفاهية والمخاوف
اقتصاد نيويورك هو المحرك الأكبر في الولايات المتحدة، وأي تغيير في سياسته المحلية يترك أثراً واضحاً على الأسواق، لذلك أثارت خطط ممداني الضريبية قلق المؤسسات المالية التي تخشى من نزيف الاستثمارات أو نقل الشركات الكبرى إلى ولايات أخرى. إلا أن ممداني يؤكد أن العدالة الضريبية ليست تهديداً بل تصحيحاً لاختلالات هيكلية تراكمت لعقود.
في أول خطاب له بعد فوزه، قال ممداني إن “الثروة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج في مانهاتن، بل بقدرة سكانها على العيش بكرامة”، وهو تصريح لاقى ترحيباً من الفئات الفقيرة لكنه أثار استياء رجال الأعمال، كما وعد بإعادة توجيه ميزانية المدينة نحو التعليم والمواصلات والإسكان، معتبرًا أن التنمية الحقيقية تبدأ من القاعدة وليس من القمة.
ويرى مراقبون أن نجاح ممداني في تطبيق رؤيته الاقتصادية سيعتمد على قدرته على بناء تحالفات داخل مجلس المدينة الذي يضم خليطاً من الليبراليين والمحافظين، فدون توافق سياسي واسع، قد تواجه مشروعاته عقبات بيروقراطية تجعلها حبيسة الشعارات.
ومع ذلك، فإن تجربة ممداني تُعد اختباراً حقيقياً لقدرة اليسار الأميركي على الانتقال من مرحلة الخطاب الاحتجاجي إلى مرحلة الإدارة الفعلية، فإذا تمكن من الموازنة بين الإصلاح والواقعية، فقد يصبح نموذجاً يحتذى به في مدن أخرى.
ممداني ليس استثناءً.. بل بداية لتحوّل أجيال
يرى د. مارك ديفيس أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، لأن صعود ممداني هو انعكاس طبيعي لتحوّل الأجيال في الحزب الديمقراطي، فالشباب الذين وُلدوا بعد عام 2000 يعيشون واقعاً اقتصادياً مختلفاً تماماً عن جيل التسعينيات، وهم أكثر ميلاً للعدالة الاجتماعية ومقاومة هيمنة الشركات الكبرى، ويضيف أن هذه الفئة لا ترى الاشتراكية كفكرة مهددة، بل كحل واقعي لتقليص الفوارق الطبقية.
ويشير ديفيس إلى أن ممداني نجح في استثمار التكنولوجيا ومواقع التواصل لبناء قاعدة جماهيرية واسعة خارج الإعلام التقليدي، وهذه الأدوات سمحت له بتجاوز الحملات الممولة من الشركات الكبرى، وخلق تفاعل مباشر مع الناخبين الذين شعروا بأنهم جزء من حركته لا مجرد جمهور متفرج.
ويؤكد الخبير أن نجاح ممداني لا يُقاس فقط بفوزه الانتخابي، بل بقدرته على إلهام جيل جديد من المرشحين الشباب في الحزب الديمقراطي، فإذا تبنت قيادات الحزب نهجه، فقد نشهد خلال السنوات القادمة تحولاً في هوية الديمقراطيين من حزب النخبة الليبرالية إلى حزب القاعدة الشعبية التقدمية.
ويختتم ديفيس بالقول إن المعركة الحقيقية لن تكون بين اليسار واليمين فحسب، بل داخل الحزب الديمقراطي نفسه، بين التيار الوسطي التقليدي وهذا اليسار الصاعد الذي يطالب بإعادة توزيع السلطة والثروة داخل المجتمع الأميركي.
اليسار الجديد أمام اختبار البقاء لا الصعود
تحذر د. ليزا هاربر باحثة في شؤون الانتخابات الأميركية، من المبالغة في قراءة فوز ممداني كتحوّل جذري في الخريطة الأميركية، فبحسب رأيها، لا يزال اليسار الجديد يفتقر إلى البنية التنظيمية القادرة على التوسع خارج المدن الكبرى.
وتقول إن نجاح ممداني في نيويورك لا يعني بالضرورة أن خطابه يمكن أن يُقنع الناخب في ولايات مثل تكساس أو أوهايو، حيث الثقافة السياسية أكثر محافظة، وترى هاربر أن اليسار الأميركي بحاجة إلى تطوير خطاب أكثر واقعية يوازن بين الطموح الاجتماعي والقدرة الاقتصادية، فالشعارات حول مجانية الخدمات قد تبدو جذابة، لكنها قد تثير مخاوف بشأن التضخم والعجز المالي. وتشير إلى أن أي إخفاق إداري في نيويورك قد يستخدمه الجمهوريون كسلاح لتشويه التجربة التقدمية بأكملها.
وتؤكد الخبيرة أن صعود ممداني يشكل تحدياً حقيقياً لترمب، لكنه في الوقت ذاته يفرض مسؤولية ثقيلة على اليسار الجديد لإثبات قدرته على الحكم بكفاءة. فالناخب الأميركي لا يصوّت للشعارات، بل للنتائج الملموسة في معيشته اليومية.
وتختتم هاربر بالقول إن المستقبل سيتوقف على تفاعل الجيل الشاب مع هذه الموجة السياسية، فإذا استمر الحماس الشعبي ولم تُجهضه البيروقراطية أو الضغوط الاقتصادية، فقد يتحول ممداني من مجرد رئيس بلدية إلى رمز وطني لحركة سياسية جديدة تُعيد رسم وجه أميركا.







