وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أمراً تنفيذياً يعلن فيه أن خطته لبيع عمليات “تيك توك” في الولايات المتحدة إلى مستثمرين أميركيين وعالميين ستعالج متطلبات الأمن القومي التي نص عليها قانون 2024.
القرار جاء بعد أشهر من الجدل حول مستقبل التطبيق الصيني الذي يضم أكثر من 170 مليون مستخدم أميركي، ما يجعله ليس مجرد منصة ترفيهية بل بنية تحتية رقمية تمس الأمن الوطني والانتخابات والسيادة الرقمية.
14 مليار دولار… تقييم أم أداة تفاوض؟
كشف نائب الرئيس جيه دي فانس أن قيمة الشركة الأميركية الجديدة ستبلغ 14 مليار دولار، ليطرح لأول مرة رقم رسمي لقيمة العمليات الأميركية للتطبيق. هذا التقييم بدا متواضعاً إذا ما قورن بالقيمة السوقية لشركة “بايت دانس” الأم التي تصل إلى 330 مليار دولار، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الرقم يعكس سعراً واقعياً أم أنه مجرد أداة تفاوضية لإقناع الكونغرس والرأي العام الأميركي بجدوى الصفقة.
وجود أسماء بارزة مثل مايكل ديل وروبرت مردوخ في قائمة المستثمرين المحتملين يعكس محاولة لتجميع نخبة مالية وإعلامية حول المشروع، وتحويله إلى كيان أميركي الهوية والإدارة.
حديث مع شي… بين الدبلوماسية والضغط
أوضح ترمب أنه أجرى محادثة مباشرة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، قائلاً إنه “شجع” على المضي بالصفقة. هذا التواصل المباشر يعكس الطابع المزدوج للملف: فهو ليس مجرد نزاع اقتصادي، بل ورقة ضغط متبادلة في العلاقة الأميركية – الصينية.
المفارقة أن الصين لم تُصدر تعليقاً رسمياً عبر سفارتها في واشنطن، بينما ظهرت تقارير إعلامية صينية متناقضة قبل أن تُحذف، ما يوحي بوجود صراع داخلي في بكين حول كيفية التعامل مع الضغط الأميركي.
روايتان متناقضتان… واشنطن مقابل بكين
الإدارة الأميركية تصوّر الاتفاق كخطوة تجعل “تيك توك” أميركي الإدارة بالكامل، مسؤولاً عن الأمن الرقمي والبيانات المحلية. في المقابل، نقلت وسائل إعلام صينية مثل ليت بوست وتسايشين أن “بايت دانس” ستظل لاعباً رئيسياً عبر إنشاء شركة أميركية جديدة مسؤولة عن التجارة الإلكترونية وربط العمليات الدولية، بما يعني أن بكين لا تزال تحتفظ بخيوط أساسية.
حذف التقارير الصينية لاحقاً يزيد من الغموض، ويكشف عن حساسية عالية داخل الصين إزاء الصورة التي تريد ترسيخها: هل تم انتزاع “تيك توك” من قبضتها أم أنها لا تزال ممسكة بخيوط اللعبة؟
تحليل استخباراتي – اقتصادي
جوهر هذه الصفقة يتجاوز مسألة بيع تطبيق ترفيهي. فالقضية تتعلق بمن يملك القدرة على التحكم في البيانات وسلوك ملايين الأميركيين، وكيف تُترجم هذه القدرة إلى نفوذ سياسي واقتصادي.
من منظور الأمن القومي الأميركي، يُعد “تيك توك” خطراً مزدوجاً: فهو منصة لتأثير الرأي العام وبيئة ضخمة لتجميع بيانات المستخدمين. ومن منظور الصين، التخلي عن السيطرة الكاملة عليه يعني خسارة واحدة من أهم أدواتها الناعمة في قلب المجتمع الأميركي.
الصفقة إذن ليست مجرد بيع وشراء، بل إعادة صياغة لقواعد اللعبة في المنافسة التكنولوجية العالمية، حيث تحاول واشنطن أن تفرض سيادتها الرقمية بينما تسعى بكين للحفاظ على نفوذها من وراء الكواليس.
بين الأمن القومي والسيادة الرقمية
سواء نجحت الصفقة بالشكل الذي يعلنه البيت الأبيض أو ظلت “بايت دانس” حاضرة بشكل غير مباشر، تبقى النتيجة واحدة: “تيك توك” تحوّل من تطبيق للرقص والفكاهة إلى ملف استراتيجي في قلب الصراع الأميركي – الصيني.
وإذا كانت حرب أكتوبر 1973 قد علمت إسرائيل درساً قاسياً في ثمن الثقة الزائدة بالمصادر، فإن معركة “تيك توك” اليوم تُعيد التأكيد على أن من يسيطر على المعلومات والرواية الرقمية يسيطر على النفوذ السياسي في القرن الحادي والعشرين.







