الاقتحام المتكرر الذي تنفّذه قوات الاحتلال الإسرائيلي لمناطق المدارس في الضفة الغربية، كما حدث في بلدة حلحول شمال الخليل، لا يمكن اعتباره مجرد “حادث أمني عابر”، بل يعكس سياسة ممنهجة ذات أبعاد نفسية وسياسية واضحة تستهدف أحد أهم أعمدة المجتمع الفلسطيني: التعليم.
إطلاق قنابل الغاز السام باتجاه مجمع مدارس خلال وجود الطالبات داخل الصفوف هو تصعيد خطير يُظهر أن ساحة المواجهة امتدت لتشمل البيئة التعليمية، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع كل المواثيق الدولية التي تجرّم استهداف المدارس والطلبة.
ضرب الروح المعنوية لجيل كامل
ما جرى في حلحول ليس حادثًا معزولًا، بل يندرج ضمن سلسلة طويلة من الاعتداءات على المؤسسات التعليمية في الأراضي الفلسطينية، والتي تتنوع بين اقتحام الجامعات، واحتجاز الطلبة، وإعاقة وصولهم إلى المدارس، بل وحتى قصفها كما جرى في غزة. الاحتلال يدرك جيدًا أن المدرسة الفلسطينية ليست مجرد مبنى أكاديمي، بل هي مساحة للوعي الوطني، وإحدى آخر الحصون التي تحافظ على الهوية في ظل محاولات الطمس والتهويد. وبالتالي، استهداف المدارس لا يهدف فقط إلى تعطيل العملية التعليمية بل إلى ضرب الروح المعنوية لجيل كامل.
الآثار النفسية التي تتركها مثل هذه الاقتحامات لا تُقدّر بثمن. أطفال في عمر الزهور يتعرّضون للاختناق، ويُجبرون على مغادرة فصولهم وهم في حالة ذعر، ما يترك أثرًا طويل الأمد على علاقتهم بالتعليم، وعلى شعورهم بالأمان داخل المؤسسات التي من المفترض أن تكون محمية ومحايدة. هذا النوع من الهجوم يؤسس لبيئة خوف مستمرة، ويزرع في أذهان الطلبة أن الذهاب إلى المدرسة قد يتحوّل في أي لحظة إلى تجربة صادمة وخطرة.
رسالة ترهيب
سياسة الاحتلال هذه تسعى بشكل غير مباشر إلى منع الطلاب من مواصلة تعليمهم، ليس عبر المنع المباشر، بل من خلال خلق بيئة طاردة وخانقة تُشعر الطلبة وأهاليهم بعدم جدوى التعليم أو على الأقل بخطورته. في المجتمعات التي تعاني من الاحتلال، التعليم غالبًا ما يكون وسيلة مقاومة وصمود، ولهذا فإن استهدافه يمثل ضربة استراتيجية لتفكيك النسيج المجتمعي وإضعاف القدرة على بناء مستقبل مستقر.
اقتحام المدارس وإطلاق الغاز على الطالبات ليس فقط انتهاكًا، بل هو رسالة ترهيب منظمة تستهدف أطفالًا لا يحملون سلاحًا ولا يشكلون تهديدًا عسكريًا، بل يشكلون تهديدًا من نوع آخر: تهديد وعي، وثقافة، واستمرار في البقاء. من هذا المنظور، يصبح التعليم في فلسطين فعل مقاومة، وتصبح كل رصاصة غاز تطلق نحو مدرسة محاولة لخنق المستقبل الفلسطيني قبل أن يولد.




