عملية “عربات جدعون” التي أطلقها الاحتلال الإسرائيلي ليست مجرد حملة عسكرية عابرة، بل تجسّد استراتيجية متكاملة تستند إلى منطق الإبادة والإخضاع الشامل، أكثر مما تستند إلى أهداف عسكرية محدودة. منذ إقرارها في أيار/مايو الماضي، جرى تسويقها إسرائيليًا باعتبارها عملية منظمة من ثلاث مراحل، تهدف إلى توسيع رقعة الحرب في غزة وتحقيق ما وصفته القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب بـ”النصر الحاسم”، سواء عبر الضغط على حركة “حماس” لتفكيك بنيتها العسكرية، أو فرض تسوية سياسية على مقاس الشروط الإسرائيلية. غير أن حصيلتها على الأرض تكشف واقعًا مختلفًا: مذبحة ممتدة ضد المدنيين، وحرب إبادة جماعية متدحرجة.
توظيف التجويع كأداة حرب
بعد مرور 110 أيام على بدء العملية، تظهر الأرقام دلالة صادمة على طبيعة الأهداف الحقيقية. أكثر من 9073 مدنيًا سقطوا قتلى، بينهم آلاف الأطفال والنساء والمسنين، في مشهد يشي بأن المدنيين تحوّلوا إلى الهدف المركزي وليس “الأضرار الجانبية”. تزايد نسبة الضحايا من الفئات الأضعف في المجتمع – الأطفال الذين يشكلون ربع الشهداء تقريبًا، والنساء اللواتي يمثلن سدس العدد الإجمالي – يعكس نمطًا مقصودًا، يهدف إلى كسر المجتمع الفلسطيني من داخله، وتحطيم نسيجه الاجتماعي والنفسي، وليس مجرد تحييد مقاومين أو استهداف مواقع عسكرية.
الأبعاد الإنسانية لهذه العملية تتجاوز لغة الأرقام. استهداف المدنيين عند نقاط توزيع المساعدات أو في مناطق النزوح يشي بوضوح بوجود سياسة مرسومة لتوظيف التجويع كأداة حرب، وتحويل الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء إلى سلاح يضغط على الناس كي يستسلموا. هنا، لا تعود “عربات جدعون” مجرد عملية عسكرية، بل تصبح جزءًا من منظومة حرب إبادة تمزج بين القصف المكثف والحصار والتجويع، لتعيد إنتاج مأساة إنسانية متصاعدة على مرأى العالم.
سياسات الاستعمار الاستيطاني
دلالات العملية لا تقف عند حدود غزة وحدها. من الناحية السياسية، تُظهر “عربات جدعون” أن إسرائيل تسعى إلى إعادة هندسة معادلة الردع على قاعدة “إما الخضوع الكامل أو الفناء”. فهي لا تطرح أفقًا سياسيًا تفاوضيًا جادًا، بل تسعى لفرض شروطها بالقوة على شعب أعزل، ما يعيد إلى الأذهان سياسات الاستعمار الاستيطاني في صيغها الأشد تطرفًا. في المقابل، يضع استمرار سقوط آلاف المدنيين الدول الكبرى الداعمة لإسرائيل – وعلى رأسها الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون – في موضع الاتهام المباشر كشركاء في جرائم الحرب، خصوصًا أن المراكز التي سقط عندها المدنيون مرتبطة بآليات توزيع مساعدات ذات طابع أمريكي–إسرائيلي، ما يثير تساؤلات حول تورط البنى الإنسانية المعلنة في تغطية أهداف عسكرية أو سياسية.
على الصعيد القانوني الدولي، يمكن القول إن “عربات جدعون” باتت نموذجًا صارخًا لانتهاك قواعد القانون الإنساني. فهي تجمع بين الاستهداف المباشر للمدنيين، استخدام الحصار كسلاح، القتل عند مراكز الإغاثة، وتدمير البنى التحتية الأساسية، وهي كلها تشكّل عناصر تندرج في خانة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية. هذا الطابع الممنهج يفرض على المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي أن يتجاوزوا حدود الإدانة اللفظية إلى خطوات عملية في ميدان الملاحقة القانونية والعقوبات.
إخفاق استراتيجي إسرائيلي
من زاوية أخرى، تكشف العملية عن إخفاق استراتيجي إسرائيلي في تحقيق “النصر الحاسم”. فبدلاً من تفكيك المقاومة، أظهرت التطورات أن المجتمع الفلسطيني، رغم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، لم ينكسر، وأن صور المجازر الدموية غذّت الرأي العام العالمي بمزيد من التضامن مع غزة، وأضعفت سردية “الدفاع عن النفس” التي رددتها إسرائيل وحلفاؤها. بعبارة أخرى، كلما تعمقت “عربات جدعون” في القتل الجماعي، كلما تزايدت عزلة إسرائيل السياسية والأخلاقية.
هكذا، فإن قراءة حصيلة “عربات جدعون” بعد أكثر من ثلاثة أشهر تكشف أن العملية ليست مجرد فصل من حرب طويلة، بل منعطف خطير يرسّخ أن المشروع الإسرائيلي الحالي يقوم على محو المجتمع الفلسطيني في غزة كخيار استراتيجي. في المقابل، يشكّل هذا التحول فرصة لتبلور سردية فلسطينية–عربية–دولية أكثر تماسكا، قوامها أن ما يجري ليس نزاعًا عسكريًا، بل إبادة جماعية مكتملة الأركان، ما يستدعي إعادة تعريف أدوار المجتمع الدولي، وتحويل ملف غزة إلى اختبار حقيقي لصدقية النظام العالمي وقدرته على حماية المدنيين من آلة حرب لا تعترف لا بحدود القانون ولا بحدود الإنسانية.







