يُظهر التقرير الذي أعدّه المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان تصعيدًا مروعًا في الانتهاكات التي يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون في الضفة الغربية. على مدار العام الحالي، شهدت هذه المنطقة تصاعدًا ملحوظًا في أعمال العنف والترهيب ضد الفلسطينيين، حيث يُستخدم الاحتلال مجموعة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى تقويض الاستقرار في الضفة الغربية، وزيادة الضغط على السكان المحليين في مناطق معينة مثل قرية المغيّر ودوما ومناطق أخرى في الخليل ونابلس ورام الله.
تدمير واسع للبنية التحتية
أحد أبرز ملامح هذا التصعيد يتمثل في الحملة العسكرية التي شنّها الاحتلال في قرية المغيّر شمال شرق مدينة رام الله. الحملة أسفرت عن تدمير واسع للبنية التحتية، من بينها اقتلاع مئات الأشجار الزراعية وتجريف الأراضي، إضافة إلى تشديد الحصار على السكان وفرض حظر تجوال.
هذا التصعيد في قرية المغيّر لم يكن حادثًا منفردًا بل جاء في سياق تصاعد الاستهداف الإسرائيلي لمجموعة من القرى الفلسطينية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، خاصة تلك التي يحيطها الاستيطان من جميع الاتجاهات، مثل قريتي دوما وخربة أم الخير. الهجمات المستمرة ضد هذه القرى تؤكد أن الاحتلال يسعى لتوسيع سيطرته على الأراضي الفلسطينية، وتهجير السكان المحليين، ومن ثم تكريس واقع الاستيطان غير القانوني.
إن أحد أهم النقاط التي تبرز في هذا التقرير هي العلاقة الواضحة بين قوات الاحتلال والمستوطنين الذين غالبًا ما يعملون بالتواطؤ مع الجيش في تنفيذ هذه الهجمات. هذا التعاون بين الجيش والمستوطنين يعكس سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تعزيز الاستيطان والتهجير القسري للفلسطينيين. إضافة إلى ذلك، تمثل “ميليشيات” بن غفير، التي أعلن عن تشكيلها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، جزءًا أساسيًا من هذه الآلية. وقد جرى تزويد هذه الوحدات من المستوطنين بأسلحة وتجهيزات قتالية بهدف تسريع تنفيذ عمليات العدوان ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، تحت غطاء من الحماية القانونية من قبل الجيش الإسرائيلي.
هجمات المستوطنين
من جهة أخرى، تشير الشكاوى المقدمة من منظمات حقوقية مثل “جمعية حقوق المواطن في إسرائيل” إلى استمرار ارتكاب جرائم الحرب بحق الفلسطينيين من قبل الاحتلال، دون أي رادع حقيقي. وهذا يشير إلى أن حالة impunity (الإفلات من العقاب) التي يتمتع بها الجنود الإسرائيليون والمستوطنون تعزز من تفشي هذا العنف. هذه السياسات انعكست بشكل مؤلم على حياة الفلسطينيين، حيث أكدت تقارير الأمم المتحدة أن هجمات المستوطنين قد أسفرت عن استشهاد 11 فلسطينيًا وإصابة المئات خلال عام 2025 فقط، ما يعكس حجم التأثير الدمار الذي يطال الحياة اليومية للسكان.
أما في سياق الاستيطان، فيبدو أن إسرائيل عازمة على زيادة سيطرتها على الأراضي الفلسطينية عبر “شرعنة” البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، وهو ما يترجم إلى إلغاء أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. من خلال الإجراءات القانونية والسياسية التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية، يبدو أن الضفة الغربية هي الهدف المقبل لتطبيق ما تسميه “السيادة الإسرائيلية”. تصريحات مسؤولي الاحتلال مثل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش حول “فرض السيادة” على الضفة الغربية تعكس نية الحكومة الإسرائيلية في ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية ونسف أي أمل في الحل السياسي للصراع.
حياة شبه مستحيلة
الأزمة الإنسانية التي يواجهها الفلسطينيون في الضفة الغربية تتفاقم بشكل خطير. ولا تقتصر هذه المعاناة على المستوى العسكري فقط، بل تشمل أيضا جانبًا من الحياة اليومية للفلسطينيين، حيث تم الاستيلاء على الأراضي، تدمير الممتلكات، وحظر الوصول إلى الموارد الأساسية مثل المياه والمواد الغذائية. هذا الوضع يجعل الحياة في المناطق الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية شبه مستحيلة.
في ضوء هذا التصعيد العسكري، كان من المقرر أن يتم “فرض السيادة” الإسرائيلية على الضفة الغربية كرد على الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية. رغم ذلك، لا تزال هذه الخطوات الإسرائيلية تعزز من عدم الاستقرار في المنطقة وتستمر في تعزيز الاحتلال العسكري.
مما لا شك فيه، أن هذا العنف المستمر والاستيطان المتزايد لن يؤدي إلا إلى المزيد من المعاناة للمدنيين الفلسطينيين الذين يواجهون استهدافًا ممارسًا من قبل الاحتلال والمستوطنين على حد سواء.




