كشف تقرير جديد صادر عن اتحاد حماية الضفة الغربية (WBPC) عن تدهور الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم في الضفة الغربية المحتلة نتيجة تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، مؤكداً أن النزوح لم يعد حدثاً طارئاً، بل تحول إلى أزمة طويلة الأمد تهدد مستقبل آلاف الأسر الفلسطينية.
ويشير التقرير إلى أن غالبية العائلات النازحة باتت تعيش في ظروف أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل مغادرة منازلها، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية وتزايد المخاوف من موجات نزوح جديدة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
اعتمد التقرير على تقييم أوضاع 233 أسرة فلسطينية نزحت قسراً من المنطقة (ج)، التي تمثل نحو 62% من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وأظهرت النتائج أن 86% من الأسر تؤكد أن ظروفها المعيشية أصبحت أسوأ بعد النزوح، بينما أفادت ثلاثة أرباع الأسر بأنها لم تعد قادرة على تأمين دخل يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.
كما أشار التقرير إلى أن نصف الأسر النازحة تعتقد أنها مهددة بالنزوح مرة أخرى خلال الأشهر الستة المقبلة، نتيجة استمرار أوامر الإخلاء والهدم، أو بسبب التهديدات التي تقول إنها تتعرض لها من المستوطنين أو السلطات الإسرائيلية.
النزوح لا يعني فقدان المنزل فقط
يرى التقرير أن الخسارة التي تتكبدها الأسر الفلسطينية لا تقتصر على فقدان المساكن، بل تمتد إلى مصادر الرزق التي اعتمدت عليها لعقود.
فالأسر التي كانت تعتمد على الزراعة أو تربية المواشي فقدت إمكانية الوصول إلى أراضيها أو مراعيها، الأمر الذي أدى إلى انهيار مصادر دخلها، ودفع الكثير منها إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وتقول رئيسة اتحاد حماية الضفة الغربية، أليجرا باتشيكو، إن فقدان الأرض يعني أيضاً فقدان القدرة على العمل والإنتاج، مضيفة أن النزوح يحرم العائلات من الوسائل التي كانت تؤمن لها الحد الأدنى من الاكتفاء الاقتصادي.
تصاعد عنف المستوطنين يغير الواقع الميداني
تأتي هذه النتائج في ظل تصاعد ملحوظ في هجمات المستوطنين، بالتزامن مع تشديد القيود على حركة الفلسطينيين، واستمرار عمليات الهدم والإخلاء في عدد من المناطق المصنفة (ج).
ووفقاً للتقرير، فقد أدى عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي منذ يناير/كانون الثاني 2023 إلى نزوح نحو 6200 فلسطيني في مختلف أنحاء الضفة الغربية، أكثر من ثلثهم خلال النصف الأول من العام الجاري.
ويعكس هذا الارتفاع، بحسب التقرير، اتجاهاً متسارعاً نحو تفريغ بعض التجمعات الفلسطينية الريفية، خاصة تلك القريبة من المستوطنات.
أزمة إنسانية تتجاوز المساعدات الطارئة
رغم حصول عدد من الأسر على مساعدات إنسانية عقب نزوحها، إلا أن التقرير يشير إلى أن معظم تلك المساعدات اقتصرت على الاستجابة الفورية، ولم توفر حلولاً مستدامة للأوضاع الجديدة.
وتؤكد الأسر النازحة أنها لا تزال بحاجة إلى مساكن آمنة، ومياه وكهرباء، وخدمات حماية، إضافة إلى برامج تعيد لها القدرة على كسب الرزق، في وقت يتراجع فيه التمويل المخصص للبرامج الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.
ويحذر التقرير من أن استمرار نقص التمويل سيدفع المزيد من الأسر إلى دائرة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خاصة مع غياب حلول سياسية أو قانونية تضمن عودتها إلى مناطقها الأصلية.
النزوح يتحول إلى سياسة أمر واقع
تكشف نتائج التقرير أن النزوح لم يعد نتيجة مباشرة لحادثة عنف منفردة، بل أصبح مساراً متدرجاً يبدأ بالاعتداءات والقيود على الحركة، ثم فقدان مصادر الدخل، وصولاً إلى مغادرة السكان لمناطقهم بسبب استحالة البقاء.
ويعني ذلك أن الضغوط الاقتصادية والأمنية أصبحت، بحسب معدّي التقرير، عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل الخريطة السكانية في أجزاء من الضفة الغربية.
المنطقة (ج) تبقى بؤرة التوتر
تركز غالبية حالات النزوح في المنطقة (ج)، حيث تفرض إسرائيل سيطرة إدارية وأمنية كاملة، وتواجه التجمعات الفلسطينية هناك قيوداً على البناء واستصلاح الأراضي والحصول على الخدمات الأساسية.
ويجعل هذا الواقع المجتمعات الفلسطينية أكثر عرضة للهدم والإخلاء، خصوصاً في المناطق الزراعية والرعوية التي تشهد توسعاً استيطانياً متواصلاً.
المجتمع الدولي أمام اختبار جديد
دعا اتحاد حماية الضفة الغربية المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية لمحاسبة إسرائيل على ما وصفه بأسباب النزوح القسري، معتبراً أن الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية لن يكون كافياً إذا استمرت الظروف التي تدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم.
ويرى التقرير أن غياب تحرك دولي أكثر فاعلية قد يؤدي إلى اتساع رقعة النزوح، وتراجع فرص عودة آلاف الفلسطينيين إلى قراهم ومجتمعاتهم الأصلية.






