في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الاتفاق الأميركي – الإيراني المرتقب، والذي يُنظر إليه باعتباره خطوة مهمة نحو تهدئة التوترات في الشرق الأوسط، شهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً جديداً مع استمرار الغارات الإسرائيلية على عدد من المناطق الحدودية، ما يثير تساؤلات حول قدرة الاتفاق على فرض هدوء فعلي على الأرض، خصوصاً في الجبهة اللبنانية التي كانت إحدى أبرز ساحات المواجهة خلال الأشهر الماضية.
وشنت القوات الإسرائيلية، الأربعاء، سلسلة غارات جوية استهدفت مناطق عدة في جنوب لبنان، رغم إعلان واشنطن وطهران التوصل إلى تفاهم ينهي الحرب بينهما ويتضمن ترتيبات تتعلق بالساحة اللبنانية والمواجهة بين إسرائيل و«حزب الله».
النبطية وكفرتبنيت وأنصارية تحت القصف
وأفادت وسائل إعلام لبنانية رسمية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ غارات استهدفت بلدة النبطية الفوقا الواقعة بالقرب من مدينة النبطية، إحدى أكبر المدن في جنوب لبنان، كما طالت الغارات الأطراف الشرقية لبلدة كفرتبنيت المجاورة.
وفي تطور موازٍ، نفذت طائرة مسيّرة إسرائيلية ضربة استهدفت بلدة أنصارية في منطقة الزهراني، ما يعكس استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في عمق المناطق الجنوبية رغم الحديث عن مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية.
وتصاعدت أعمدة الدخان من المناطق المستهدفة، في مشهد أعاد إلى الأذهان أيام المواجهات المكثفة التي شهدتها الحدود اللبنانية الإسرائيلية خلال الفترة الماضية.
سقوط قتلى رغم تراجع وتيرة المواجهات
ورغم أن وتيرة الضربات العسكرية تراجعت نسبياً منذ الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط مطلع الأسبوع الجاري، فإن العمليات العسكرية لم تتوقف بالكامل.
ووفقاً للوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، أسفرت الغارات الإسرائيلية خلال الساعات الماضية عن مقتل ما لا يقل عن خمسة أشخاص في مناطق جنوب لبنان، ما يؤكد أن التهدئة السياسية لم تنعكس حتى الآن بصورة كاملة على الوضع الميداني.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في عدد من المناطق الجنوبية اللبنانية، وسط استمرار حالة التوتر والترقب على جانبي الحدود.
الجيش الإسرائيلي يبرر الهجمات
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ، الثلاثاء، غارة جوية استهدفت مركبة وصفها بـ«المشبوهة» في منطقة كان ينتشر فيها جنوده داخل جنوب لبنان، دون الكشف عن الموقع الدقيق للعملية.
كما أشار إلى أن قواته اعترضت عدداً من الصواريخ التي قال إنها أُطلقت باتجاه جنود إسرائيليين في الجنوب اللبناني، مؤكداً أن سلاح الجو الإسرائيلي رد بقصف منصة إطلاق الصواريخ وتدميرها.
وتعكس هذه التصريحات تمسك إسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية تحت مبررات أمنية، رغم المساعي الدبلوماسية الجارية لإرساء تهدئة شاملة في المنطقة.
«حزب الله» يلتزم الصمت العسكري
وفي المقابل، لم يعلن «حزب الله» مسؤوليته عن أي عمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية منذ الثلاثاء، ما يعكس حالة من الترقب داخل الحزب تجاه التطورات السياسية المرتبطة بالاتفاق الأميركي الإيراني.
ويبدو أن الحزب يراقب مفاعيل الاتفاق الجديد قبل تحديد مساره خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن طهران، الداعم الرئيسي للحزب، شاركت بصورة مباشرة في المفاوضات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم المرتقبة.
ومن المنتظر أن يلقي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم كلمة مساء الأربعاء بمناسبة حلول شهر محرم، وسط ترقب واسع لما قد تتضمنه من رسائل سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل الجبهة الجنوبية والتفاهمات الإقليمية الجديدة.
وبدأ عدد من النازحين اللبنانيين العودة بشكل تدريجي لتفقد بلداتهم وقراهم التي لا توجد فيها قوات إسرائيلية، مستفيدين من تراجع نسبي في حدة العمليات العسكرية.
إلا أن الجيش اللبناني و«حزب الله» دعوا السكان إلى التريث وعدم التسرع في العودة الكاملة، محذرين من استمرار خطر الانتهاكات الإسرائيلية وإمكانية تجدد الغارات أو العمليات العسكرية في أي وقت.
ويعكس هذا التحذير حجم القلق من هشاشة الوضع الأمني، خاصة أن الاتفاق السياسي لم يتحول بعد إلى ترتيبات ميدانية واضحة تضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار.
إيران تتمسك بإدراج لبنان ضمن التفاهمات
وفي سياق متصل، وجه «حزب الله» الشكر لإيران على تمسكها بإدراج الملف اللبناني ضمن الاتفاق مع الولايات المتحدة، معتبراً أن ذلك يشكل ضمانة سياسية مهمة لمصالح لبنان في المرحلة المقبلة.
ومن المقرر أن توقع الولايات المتحدة وإيران، الجمعة المقبل في سويسرا، مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام حركة الملاحة الدولية.
كما تمثل المذكرة نقطة انطلاق لمرحلة تفاوضية جديدة تمتد لشهرين، تتناول ملفات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، وسط آمال بأن تنعكس نتائجها على مختلف بؤر التوتر في المنطقة، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
ويرى مراقبون أن استمرار الغارات الإسرائيلية بعد الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني يضع التفاهم الجديد أمام اختبار مبكر وصعب، إذ إن نجاحه لن يقاس فقط بتوقيع الوثائق السياسية، وإنما بمدى قدرته على وقف المواجهات الميدانية وفرض الاستقرار على الجبهات المشتعلة.
وبينما تستعد واشنطن وطهران لتدشين مرحلة جديدة من الحوار، يبقى جنوب لبنان أحد أبرز المؤشرات التي ستكشف مدى فعالية الاتفاق وقدرته على تحويل الوعود السياسية إلى واقع أمني أكثر استقراراً في الشرق الأوسط.




