نفذ الجيش الباكستاني غارات جوية داخل الأراضي الأفغانية، قال إنها استهدفت معسكرات ومخابئ لجماعات مسلحة تقف وراء موجة هجمات دامية داخل باكستان، كان أبرزها تفجير انتحاري في مسجد شيعي بالعاصمة. الغارات جاءت في توقيت حساس، بعد سلسلة عمليات استهدفت قوات الأمن في شمال غرب البلاد، وفي ظل وقف إطلاق نار هش تم التوصل إليه قبل أشهر عقب اشتباكات حدودية عنيفة.
رسائل أمنية تتجاوز الرد التكتيكي
الضربات الجوية لم تُقدَّم في الخطاب الباكستاني باعتبارها عملية ردّ محدودة فحسب، بل كإشارة سياسية إلى نفاد صبر إسلام آباد من ما تصفه بتقاعس طالبان الأفغانية عن ضبط الجماعات الناشطة عبر الحدود. توصيف العمليات بأنها “استخباراتية انتقائية” يعكس محاولة لتأطيرها ضمن منطق الضرورة الأمنية، لا كتحول استراتيجي نحو فتح جبهة مفتوحة مع كابول. لكن اختيار الأهداف داخل ولايتين حدوديتين، وإعلان استهداف مواقع لحركة طالبان باكستان وفرع لتنظيم الدولة الإسلامية، يضع الخطوة في خانة توسيع نطاق الردع، لا الاكتفاء بالاحتواء.
روايتان متصادمتان… وعبء المدنيين
بينما تتحدث باكستان عن “أدلة قاطعة” على أن التخطيط والتوجيه للهجمات يتم من داخل أفغانستان، تؤكد كابول أن الغارات أصابت مدرسة دينية ومنازل سكنية وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. هذا التضارب في السرديات ليس جديداً في العلاقة بين الطرفين، لكنه يزيد من صعوبة تثبيت أي تفاهم أمني مستدام. ومع كل حادثة، يتراجع هامش الثقة، ويتحول المدنيون في المناطق الحدودية إلى الحلقة الأضعف في معادلة الرد والرد المقابل.
وقف إطلاق نار على حافة الانهيار
التصعيد الأخير يهدد عملياً التفاهم الذي جرى التوصل إليه بعد اشتباكات دامية في أكتوبر الماضي. فوقف النار لم يكن اتفاقاً سياسياً متيناً بقدر ما كان ترتيبات ميدانية مؤقتة لإدارة التوتر. عودة الضربات عبر الحدود تُعيد تذكير الطرفين بأن جذور الأزمة لم تُعالج: شبكات مسلحة عابرة للحدود، ومساحات جغرافية رخوة أمنياً، وتباين في تعريف “التهديد” وحدود المسؤولية عنه.
الجماعات المسلحة بين الضغط الإقليمي وحسابات الداخل
إصرار إسلام آباد على ربط الهجمات الأخيرة بقيادات وموجّهين في أفغانستان يهدف إلى نقل العبء إلى طالبان الأفغانية أمام المجتمع الدولي، وإلى تبرير توسيع هامش العمل العسكري. في المقابل، تجد حكومة كابول نفسها بين مطرقة الاتهام الباكستاني وسندان التحديات الأمنية الداخلية، حيث إن قدرتها على ضبط جماعات عابرة للحدود تبقى محدودة في ظل هشاشة السيطرة على بعض المناطق الحدودية. هذا الفراغ هو ما تستثمره تنظيمات مثل طالبان باكستان وتنظيم الدولة الإسلامية لإعادة التموضع والضغط على العاصمتين معاً.
تدويل الملف… ضغط خارجي أم إدارة أزمة؟
دعوة إسلام آباد للمجتمع الدولي للضغط على طالبان للالتزام بتعهدات اتفاق الدوحة تعكس توجهاً لتدويل الأزمة بدل حصرها في القنوات الثنائية. هذا المسار قد يمنح باكستان غطاءً سياسياً أوسع لتحركاتها، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مقاربات خارجية قد لا تراعي تعقيدات الميدان الحدودي. كابول، من جهتها، تصف الضربات بانتهاك القانون الدولي، وتلوّح برد “مدروس”، ما يعني أن هامش التصعيد لم يُستنفد بعد.
تقدير موقف: دائرة ردع قابلة للاتساع
السيناريو المرجح في المدى القريب هو استمرار سياسة “الضربات المحدودة” مقابل تهديدات مدروسة، من دون انزلاق سريع إلى مواجهة شاملة بين الدولتين. غير أن تراكم الحوادث، وسقوط ضحايا مدنيين، وعودة التفجيرات إلى المدن الكبرى داخل باكستان، عوامل ترفع منسوب الضغط الشعبي والسياسي على الحكومتين، وتقلّص مساحة المناورة. أي خطأ تقدير جديد قد يدفع الطرفين إلى تجاوز السقف غير المعلن للتصعيد، خصوصاً إذا استمرت الجماعات المسلحة في اختبار خطوط الردع عبر هجمات نوعية داخل العمق الباكستاني.
على خط النار الحدودي
ما يجري اليوم ليس مجرد جولة ردّ على هجمات، بل اختبار لقدرة الدولتين على إدارة تهديد عابر للحدود دون تحويله إلى نزاع مفتوح. إذا لم تُبنَ آلية تنسيق أمني قابلة للاستمرار، تعالج جذور النشاط المسلح وتحد من الفراغ الحدودي، فإن وتيرة الضربات والتهديدات ستبقى مرشحة للتصاعد. في هذه المساحة الضيقة بين الردع والانزلاق، تتحرك الأزمة على حافة يمكن أن تميل في أي لحظة نحو مواجهة أوسع، لا تُحدَّد نتائجها بقدرة السلاح وحده، بل بحدود السياسة على كبح اندفاع الميدان.






