مع دخول الحرب في قطاع غزة مرحلة ممتدة من التعقيد الميداني والجمود السياسي، لم تعد التحولات تقتصر على خرائط العمليات العسكرية أو مسارات التفاوض المتعثرة، بل امتدت إلى عمق البنية المجتمعية وآليات إدارة الحياة اليومية داخل القطاع. ففي ظل تآكل الموارد، وتباطؤ وصول المساعدات، وغياب أفق سياسي واضح للحسم، برزت على الأرض أنماط جديدة من الفعل المحلي، تعكس محاولة المجتمع إعادة تنظيم نفسه في مواجهة ضغط غير مسبوق.
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد حضور بعض التشكيلات العشائرية والمجموعات المحلية في المجال الإغاثي، مستفيدة من امتداداتها الاجتماعية وقدرتها على التحرك السريع داخل بيئة معقدة ومجزأة. هذا الحضور لا يمكن تفسيره بوصفه بديلاً كاملاً عن البنية الإدارية القائمة، بقدر ما يعكس حالة من “التكيف الاضطراري”، حيث تسعى مكونات المجتمع إلى سد الفجوات التي تتسع مع استمرار الحرب وتعثر المسارات الرسمية.
وفي هذا السياق، أفاد قائد “القوات الشعبية”، بأن رجاله عملوا لساعات في وسط خان يونس، موزعين مساعدات واسعة النطاق على السكان. وخلال أنشطتهم، تعرضوا لإطلاق نار، ما أسفر عن استشهاد أحد عناصرهم. وأكد أن حماس لا تسيطر على المنطقة، وأن قواته لا تخشى حماس، وتواصل العمل مباشرة لصالح السكان.
هذه الواقعة، بما تحمله من أبعاد إنسانية وأمنية، تعكس مستوى التعقيد الذي بات يحكم المشهد الميداني. فمن جهة، تشير إلى اتساع الحاجة لآليات إغاثة مرنة وسريعة، ومن جهة أخرى تطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الفاعلين المحليين والبنية التنظيمية القائمة، في ظل غياب إطار تنسيقي واضح يحدد الأدوار ويمنع الاحتكاكات.
من منظور تحليلي، لا يبدو أن ما يجري يمثل تحولاً حاسماً في موازين القوة بقدر ما يعكس ضغط اللحظة الراهنة على مختلف الأطراف. فحركة حماس، التي تدير القطاع في ظروف استثنائية، تواجه معادلة معقدة بين متطلبات المواجهة العسكرية والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات المدنية. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح من الطبيعي أن تتقدم مبادرات محلية لسد النقص، دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء بدائل مستقرة خارج الإطار العام.
غير أن هذا الواقع يكشف في الوقت ذاته عن فجوة لا يمكن تجاهلها، تتعلق بمدى القدرة على المواءمة بين إدارة السيطرة وإدارة الرعاية. فالمواطن في غزة، الذي يواجه تحديات يومية مرتبطة بالغذاء والدواء والخدمات الأساسية، بات يقيم فعالية أي فاعل رسمي أو غير رسمي بقدرته على الاستجابة المباشرة لهذه الاحتياجات. ومن هنا، فإن تنامي دور المجموعات المحلية يحمل دلالة واضحة على أهمية الكفاءة الميدانية في بناء الثقة، إلى جانب الاعتبارات السياسية التقليدية.
وعلى صعيد أوسع، يرتبط هذا التحول بالسياق السياسي العام للحرب، حيث لا تزال المفاوضات الجارية في أكثر من مسار إقليمي ودولي تواجه تعقيدات جوهرية، خصوصاً في ما يتعلق بترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار وإدارة القطاع وإعادة الإعمار. هذا التعثر ينعكس مباشرة على الواقع الداخلي، إذ يؤدي غياب الحسم إلى إطالة أمد حالة الطوارئ التي تفرض نفسها على مختلف القطاعات، وتدفع نحو حلول مؤقتة تعتمد على المبادرات المحلية.
في هذا الإطار، تبرز أهمية التعامل مع هذه الديناميكيات المجتمعية بوصفها جزءاً من الواقع، لا كحالة طارئة يمكن تجاهلها أو حسمها أمنياً. فاستيعاب هذه الطاقات ضمن رؤية أكثر مرونة قد يشكل فرصة لتعزيز القدرة على الصمود، بينما يؤدي تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها تحدياً مباشراً إلى تعقيد المشهد الداخلي وزيادة احتمالات الاحتكاك.
إن غزة اليوم لا تعيش حالة استبدال سلطة بأخرى، بل حالة سيولة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والأمنية. وفي مثل هذا السياق، يصبح التحدي الأساسي هو إدارة هذا التداخل بطريقة تقلل من كلفته على المجتمع، وتحافظ في الوقت ذاته على الحد الأدنى من التماسك الضروري لأي مسار قادم.
وتكشف التطورات الأخيرة عن حاجة ملحة لإعادة النظر في آليات إدارة الشأن المدني في أوقات الأزمات، بحيث تقوم على قدر أكبر من التكامل والمرونة. فغزة، وهي تواجه واحدة من أكثر مراحلها حساسية، تحتاج إلى مقاربة تضع احتياجات السكان في صدارة الأولويات، وتعمل على توظيف مختلف القدرات المجتمعية ضمن إطار منظم يوازن بين ضرورات الواقع ومتطلبات الاستقرار، بما يضمن ألا تتحول الضغوط الراهنة إلى مصدر تفكك داخلي يصعب احتواؤه في المستقبل.




