بعد عام كامل من الحرب، تقف غزة اليوم أمام مشهد بالغ القسوة، تتداخل فيه آثار الدمار العسكري مع واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث.
الخريطة الميدانية في غزة
وتغيرت خلال هذا العام الخريطة الميدانية في غزة كما تبدلت موازين القوى، فيما وجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم في رحلة نزوح متكررة تحت القصف والاجتياحات.
وتعقيبا على هذا الوضع، وصفت الأمم المتحدة ما جرى بأنه الأزمة الإنسانية الأشد قسوة، مع انهيار شبه كامل للقطاع الصحي، وتراجع حاد في الخدمات الأساسية، وتهديد متصاعد بشبح المجاعة، وصل إلى حد استخدام توصيفات غير مسبوقة مثل “التجويع كسلاح حرب”.
هل تصمد الهدنة؟
وفي الخامس عشر من يناير، لمحت غزة بارقة أمل نادرة، مع توصل وسطاء دوليين وإقليميين كالولايات المتحدة وقطر ومصر، إلى هدنة من ثلاث مراحل، شملت تبادل الأسرى، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وإدخال مساعدات إنسانية عاجلة.
ورغم ذلك، إلا أن هذه الهدنة سرعان ما انهارت في الثامن عشر من مارس، على وقع خلافات حادة بين إسرائيل وحركة حماس حول تنفيذ المرحلة الثانية، ليعود التصعيد العسكري بوتيرة أشد.
ومع استمرار العمليات الإسرائيلية في غزة، انتقلت إسرائيل إلى نمط قتال مختلف، حيث توسعت فيه الضربات جنوباً ووسط القطاع، وتحولت من اجتياحات واسعة إلى عمليات نوعية داخل شبكة الأنفاق، بينما استمرت المعاناة الإنسانية في التفاقم وسط عجز دولي عن احتواء الكارثة.
فوضى إقليمية واسعة
وسياسياً، ومع غياب الحسم العسكري بدأت التحركات الدولية تتسارع واشنطن التي أدركت أن استمرار الحرب يهدد بفوضى إقليمية واسعة، رفعت منسوب الضغط على تل أبيب، وطرحت ما وصفته ب“الفرصة الأخيرة” عبر خطة ترامب للسلام.
وتضمنت الخطة، المؤلفة من ثلاث مراحل وعشرين بنداً، وقفاً لإطلاق النار، وتبادلاً للأسرى، ونشر قوة دولية متعددة الجنسيات داخل غزة، إلى جانب إدارة انتقالية بإشراف دولي، مع إبعاد حماس عن إدارة القطاع ونزع سلاحها.
شرعية دولية وتعقيدات ميدانية
وبدعم عري وأميركي غير مسبوق، وصلت الخطة إلى مجلس الأمن، حيث جرى إقرارها بعد شد وجذب سياسي واسع، مانحةً شرعية دولية للحكم الانتقالي في غزة، ومطمئنة الدول التي تدرس المشاركة بقوات دولية.
وفي المقابل، وجدت حركة حماس نفسها أمام واقع جديد، بعد خسائر كبيرة في القيادات والبنية العسكرية، واستنزاف واضح في القدرات، مع استمرار رهانها على ما تبقى لديها من أوراق ضغط.
مفترق طرق في غزة
ومع نهاية عام 2025، تقف غزة عند مفترق بالغ الحساسية، وهي حرب أعادت رسم الجغرافيا وغيرت موازين القوة، وخطة سياسية حازت غطاءً دولياً لكنها تصطدم بواقع ميداني وإنساني شديد التعقيد.
وبين اتفاق لم يكتمل تنفيذه، وأزمة إنسانية تتفاقم، يبقى مستقبل القطاع مرهوناً بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تحويل التعهدات إلى أفعال، ووضع حد لمعاناة شعب أنهكه عام كامل من الحرب، ولا يزال ينتظر استقراراً طال أمده.






