الهجوم المباغت الذي شنّته كتائب القسام ضد قوات إسرائيلية بين حيي الزيتون والصبرة جنوب مدينة غزة يمثل امتداداً لمعادلة الاستنزاف التي تحاول حماس تكريسها في الميدان، حيث أسفرت العملية عن مقتل جندي وإصابة 11 آخرين وفق وسائل إعلام إسرائيلية، رغم غياب تأكيد رسمي من الجيش. هذه الخسائر، وإن بدت محدودة نسبياً، أعادت طرح تساؤلات حول مدى انعكاسها على مسار المفاوضات المتعثرة، خصوصاً في ظل تحذيرات حماس بأن الرهائن الإسرائيليين يواجهون المصير نفسه الذي يعيشه مقاتلوها في جبهات القتال.
زيادة الضغط النفسي والسياسي
التقديرات الإسرائيلية الرسمية قللت من أهمية العملية، إذ اعتبر محللون بارزون أن إسرائيل ستمضي في خططها لاحتلال غزة حتى لو كلّف ذلك حياة المختطفين. هذه المقاربة تعكس تحوّلاً في الأولويات الإسرائيلية، حيث لم تعد ورقة الرهائن تحظى بالمكانة التي كانت لها في بدايات الحرب، بل باتت ثانوية أمام هدف الحسم العسكري ونزع سلاح حماس. تصريحات يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، جاءت واضحة في هذا السياق حين أكد أن استمرار الحرب خيار ثابت حتى أثناء المفاوضات.
من جهتها، استثمرت حماس العملية لتأكيد أن أسرى الجيش الإسرائيلي باتوا جزءاً من المعركة الميدانية، حيث أعلن المتحدث أبو عبيدة أن الرهائن سيبقون مع المقاتلين في ظروف القتال ذاتها، في رسالة تهدف إلى زيادة الضغط النفسي والسياسي على تل أبيب. لكن بالمقابل، بدا واضحاً أن حكومة نتنياهو لا ترى في ذلك سبباً لتغيير المسار، خاصة مع الدعم الأميركي الذي توفره إدارة الرئيس دونالد ترمب.
خطط إخلاء غزة
في هذا الإطار، يفسر خبراء عسكريون وسياسيون، مثل اللواء سمير فرج، أن تمسك نتنياهو بخيار التصعيد يعود بالأساس إلى اعتبارات شخصية وسياسية، إذ أن إنهاء الحرب من دون تحقيق إنجاز ملموس يعني فتح الباب أمام محاكمته بتهم الفساد ونهاية مستقبله السياسي. ومن هنا يصبح استمرار القتال ضرورة وجودية له، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً للدولة. هذا الطرح يتقاطع مع رؤية المحلل السياسي الفلسطيني نهرو جمهور الذي أشار إلى أن نتنياهو يصر على جعل ورقة الرهائن ثانوية، حتى لو كان ذلك على حساب تحذيرات المستوى العسكري من ارتفاع الخسائر البشرية.
في موازاة ذلك، تزداد الضغوط الدولية على إسرائيل مع التحذيرات الإنسانية من خطط إخلاء غزة. رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وصفت تلك الخطط بأنها مستحيلة التنفيذ بأمان، بينما وزراء خارجية عدة دول أوروبية أدانوا المخططات الإسرائيلية. ورغم ذلك، ما زالت تل أبيب ماضية في مسارها العملياتي، وهو ما أكده وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر خلال لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، حيث شدد على أن الاحتلال لن يكون طويل الأمد وأن النقاش الأساسي يدور حول من سيحكم غزة بعد حماس، في إشارة إلى أن المرحلة التالية لا تزال غامضة.
على الصعيد الإقليمي، لم تحقق الوساطة القطرية – المصرية اختراقاً بعد. فرئيس وزراء قطر ووزير خارجية مصر أكدا أن إسرائيل لم تقدم رداً رسمياً على مقترح هدنة جزئية لمدة 60 يوماً، وأن استمرار العدوان سيضعف فرص أي اتفاق. هذا التعثر يعكس الهوة العميقة بين مسار الميدان ومسار التفاوض، حيث تصر إسرائيل على فرض وقائع عسكرية جديدة، بينما تحاول الوساطات الإقليمية والدولية الحفاظ على نافذة أمل ضيقة لتجميد النار.
المفاوضات رهينة لقرار سياسي
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن حكومة نتنياهو ستواصل التصعيد في غزة، فيما تبقى المفاوضات رهينة لقرار سياسي أكبر مرتبط بالموقف الأميركي. اللواء فرج رجّح أن نتنياهو لن يعود إلى طاولة المفاوضات إلا إذا أمره ترمب بذلك، وهو ما يعكس عمق الارتباط بين مسار الحرب والاعتبارات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة. وبحسب قراءة نهرو جمهور، فإن الجدول الإسرائيلي لا يتضمن أي أولوية للتفاوض في المرحلة الحالية، بل يتجه نحو مزيد من التدمير والتهجير في إطار حرب طويلة الأمد، حيث تُستخدم المفاوضات فقط كأداة لشراء الوقت وليس كمسار جدي للحل.
بناء على ذلك، فإن عملية القسام الأخيرة، مهما كانت خسائرها، لن تغير في المدى القريب من اتجاه الحرب أو الموقف الإسرائيلي من المفاوضات. لكن استمرار مثل هذه العمليات يضيف عبئاً متزايداً على الجيش الإسرائيلي، وقد يراكم ضغطاً على الحكومة مع الوقت، خاصة إذا ترافقت مع تصعيد دولي أكبر على المستوى الدبلوماسي والإنساني، وهو ما قد يفتح في مرحلة لاحقة نافذة لإعادة ترتيب الأولويات.







