تكشف مذكرات المسؤول الأممي جونثان ويتل في قطاع غزة، عن صورة مركبة للصراع في غزة، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية لتطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة الاستهداف ومنهجيته، ولا تتوقف الشهادات الواردة عند توثيق حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل تسلط الضوء على نمط متكرر من استهداف البنية الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها الطواقم الطبية ومنظومة الرعاية الصحية.
وهنا تبرز دلالات خطيرة تتعلق باستخدام أدوات إنسانية، مثل آليات التنسيق لإدخال المساعدات، في سياقات عسكرية، ما يثير جدلاً حول توظيف هذه الآليات في ضبط حركة الإغاثة بدلًا من تسهيلها، كما تشير الوقائع إلى أن القيود المفروضة على دخول الوقود والدواء لم تعد مجرد تداعيات جانبية للحرب، بل باتت جزءًا من معادلة الضغط، الأمر الذي فاقم من هشاشة الوضع الإنساني، وأضعف قدرة المدنيين على الصمود.
شهادة موثقة عن القتل الوحشي في غزة
وكان “ويتل”يعمل مسؤولا رفيعا في الأمم المتحدة ويوم بتنسيق المساعدات الإنسانية، ويقول: جاءنا نبأ فقظان فرق الاستجابة الأولى التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني في جنوب غزة. وذكر المسؤول الأممي بعضًا من مذكراته، قائلا إنه رأى الكثير من الموت والقتل الوحشي والمنهجي في غزة “لكن ثمة شيء مروع بشكل خاص في نبش جثث المسعفين المدفونين بزيّهم الرسمي وهو أمرٌ لا يزال عالقاً في ذهني. حسب وكالة صفا.
ويتابع: لمدة أسبوع بعد مقتلهم، لم نكن نعلم إن كانوا أحياءً أم أمواتاً. كنا نحاول الوصول إليهم يومياً، لكن الجيش الإسرائيلي منعنا من ذلك، وواجهنا طرقاً مغلقة وقوات تطلق النار على الفارين.. في 30 مارس 2025، وقفت أنا وزملائي فوق مقبرة جماعية في رفح، تم تمييزها بضوء إحدى سيارات الإسعاف التي سحقها الجيش وألقتها في مكان قريب.. لم يكن من الممكن أن تجهل قوات الجيش هوية هؤلاء المسعفين”.
ووفقا للمسؤول الأممي “كانت أضواء سيارة الإسعاف تومض، وكانت تحمل رموز الهلال الأحمر المحمية دوليًا، وكانوا يرتدون الزي الرسمي والقفازات. لكن كل ذلك لم يغير شيئًا. فقد قُتلوا، وأُعدم بعضهم رميًا بالرصاص. وقد أعاد التحليل الجنائي لتسجيلات الفيديو والصوت تشكيل اللحظات الأخيرة من حياتهم.. بعد التحقيق، لم تُوجه أي تهم لأحد. هذه هي محاسبة المسؤولين عن مذبحة المسعفين”.
الاحتلال يشن هجمات نارية عشوائية
وسبق أن استُهدفت جمعية الهلال الأحمر، بما في ذلك خلال محاولة إنقاذ هند رجب، الطفلة البالغة من العمر ست سنوات التي نزفت حتى الموت داخل سيارة مثقوبة بـ 335 رصاصة ومحاطة بجثث عائلتها. واستشهد المسعفون الذين أُرسلوا لإنقاذها على يد الجيش في المنطقة، على الرغم من حصولهم على تنسيق مسبق للسماح بوصول سيارة الإسعاف إلى مكان الحادث.
ويقول: “وضعنا نظام تنسيق – كما نفعل في أماكن كثيرة حول العالم – لمساعدة أطراف الحرب على الوفاء بالتزاماتها. لكن في غزة، استغلت السلطات الإسرائيلية هذا النظام للتحكم في وصول المساعدات، ولتمكين قواتها من شنّ هجمات نارية عشوائية”.
ويذكر المسؤول الأممي: “في غزة، بات البقاء على قيد الحياة نفسه مهدداً. فبمجرد صدور أوامر إخلاء منطقة ما، كان يُدمَّر كل ما يلزم للبقاء. ولم تسلم المستشفيات من الدمار. تجولنا بين أنقاض مستشفى الشفاء، حيث كانت الجثث ملقاة في ساحته، بينما كان أفراد العائلات ينقبون بين الأنقاض بحثاً عن ذويهم. أجلينا المرضى من مستشفيي ناصر وإندونيسيا، حيث كانت قطط الشوارع تجلس على أسرّة العناية المركزة لمرضى تُركوا للموت، وحيث أخرجت قوات الجيش جريحاً من سيارة الإسعاف، ساخرة منه وهو يصرخ من الألم”.
تدمير كل ما يحتاجه السكان للبقاء على قيد الحياة
ويتابع: “أمضيت أنا وزملائي عامين في التفاوض على استثناءات – وليست القاعدة – لتلقي الوقود والأدوية والمستلزمات الجراحية. كل سلعة دخلت غزة كانت بمثابة تنازل، لم يكن ليتحقق لولا الضغوط السياسية الشديدة من حكومات تملك نفوذاً على إسرائيل يفوق نفوذ القانون الدولي نفسه”.
ويشير في مذكراته أن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في عام 2025 أكدت أن السلطات الإسرائيلية كانت على علم بأن منع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة سيؤدي إلى مقتل فلسطينيين. وأؤكد علمهم بذلك لأني كنت من بين من أبلغوهم. لم يكن نقص المساعدات مشكلة لوجستية، بل كان خيارًا سياسيًا متكررًا اتُخذ عن علمٍ تام. وبينما كنا نقضي شهورًا في التفاوض من أجل السماح للفلسطينيين بالبقاء على قيد الحياة، كنا نتلقى يوميًا أدلةً تُشير إلى أن النية الحقيقية كانت قتلهم.
وقال: هذا هو شكل الإبادة الجماعية، إنها ليست مجرد قتل – مع أن القتل كان واسع النطاق وموثقاً – بل هي أيضاً تفكيك متعمد لكل ما يحتاجه السكان للبقاء على قيد الحياة: مستشفياتهم، ومياههم، وإمداداتهم الغذائية، وسجلاتهم المدنية، وشرطتهم، وطاقمهم الطبي.
وكتب المسؤول: النجاة من غارة جوية تعني الموت تحت الأنقاض. والنجاة من الأنقاض تعني النزيف حتى الموت بينما تنتظر سيارات الإسعاف تصريحًا لا يأتي. والنجاة من الإصابة تعني الوصول إلى مستشفى مُدمَّر تمامًا. والنجاة من المستشفى تعني الخروج إلى خيمة لا تحجب المطر.
قصف المستشفيات عمدًا
وأضاف: قضيتُ معظم حياتي البالغة أشاهد الهجمات على الرعاية الصحية تُصبح أمرًا عاديًا. أربعة عشر عامًا قضيتها مع منظمة أطباء بلا حدود، مررتُ خلالها بنزاعاتٍ قُصفت فيها المستشفيات وقُتل العاملون كما في أفغانستان بنيران أمريكية، لكن البيئة القانونية التي سمحت بحدوث هذا الخطأ المزعوم كانت مُصممة عمدًا – وكانت إسرائيل أحد مُهندسيها.
ويضيف في مذكراته: لم تتوقف السياسة بعد انتشالنا لتلك الجثث. ففي غضون أيام، قصف الجيش الإسرائيلي مستشفى الأهلي، ودمرت قسم الطوارئ فيه. كما أُغلق مستشفى غزة الأوروبي، ما أدى إلى القضاء على العلاج الوحيد لجراحة الأعصاب وأمراض القلب والسرطان في غزة.
وأُجبر مستشفى كمال عدوان، المركز الوحيد لعلاج سوء التغذية في شمال غزة، على الإغلاق، وأسفرت غارة جوية مزدوجة على مستشفى ناصر عن استشهاد 22 شخصًا، بينهم أربعة من العاملين في المجال الصحي وخمسة صحفيين.




