تشير التطورات الأخيرة في مسار مفاوضات وقف إطلاق النار بقطاع غزة إلى دخولها مرحلة أكثر جدية، بعد إعلان حركة حماس موافقتها على مقترح يستند إلى إطار تفاوضي سابق قدمه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وكانت إسرائيل قد أبدت قبولها به من حيث المبدأ قبل تعثر المحادثات في يوليو الماضي. هذا التطور أعاد الزخم للوساطة، خصوصًا في ظل الحراك المصري والقطري والدولي المكثف، والرهان على أن الضغوط الأميركية قد تكون العامل الحاسم في دفع حكومة نتنياهو نحو القبول.
أزمة داخلية إسرائيلية
رد حماس جاء وبنسبة تطابق تصل إلى 98% مع ما وافقت عليه إسرائيل سابقاً، يعكس استعداد الحركة لمرونة نسبية مقابل الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، إذ يتضمن المقترح إطلاق 200 مدان وعدد من النساء والقاصرين، مقابل الإفراج عن عشرة رهائن أحياء وتسليم جثامين 18 آخرين. لكن على الجانب الإسرائيلي، يبدو الموقف أكثر تعقيداً، إذ تشترط حكومة نتنياهو أن تكون الصفقة شاملة وتؤدي إلى الإفراج عن جميع الرهائن، مع ربطها بشروط أمنية وسياسية مثل نزع سلاح حماس وإقامة إدارة مدنية بديلة في القطاع، وهو ما يضع عراقيل إضافية أمام التوصل لاتفاق سريع.
المشهد يعكس كذلك أزمة داخلية إسرائيلية واضحة؛ عائلات الرهائن تتهم نتنياهو بوضع شروط غير قابلة للتنفيذ لإفشال الصفقة، وتستعد لموجة جديدة من التظاهرات للضغط باتجاه اتفاق يضمن الإفراج عن ذويهم. هذه الضغوط الشعبية قد تزيد من مأزق الحكومة الإسرائيلية، التي تحاول الموازنة بين متطلبات الرأي العام، والاعتبارات الأمنية، وأجندة نتنياهو السياسية، الذي يخشى أن يُتهم بتقديم تنازلات كبيرة لحماس في ظل أوضاع داخلية مرتبكة.
تدهور الأوضاع في غزة
الوساطة المصرية تتحرك بنشاط ملحوظ، إذ أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي مشاورات مكثفة مع مسؤولين دوليين، مؤكداً أن “الكرة الآن في ملعب إسرائيل”، وداعياً إلى ضغط أميركي واضح لدفعها إلى القبول بالمقترح. الموقف المصري يجد صداه في تصريحات مسؤولين فلسطينيين وعرب يرون أن واشنطن هي الطرف الأكثر قدرة على حسم الموقف، ليس فقط لثقلها السياسي، بل أيضًا لرغبتها في تقديم الاتفاق كإنجاز دبلوماسي يسجل في رصيدها.
لكن المخاوف تبقى قائمة من أن تستغل إسرائيل هذه المرحلة للمماطلة وكسب الوقت، عبر المطالبة بصفقة شاملة أو التمسك بخريطة انسحاب غير مقبولة فلسطينيًا، ما يعيد المفاوضات إلى المربع الأول. وفي حال فشل المسار الحالي، فإن الأوضاع الإنسانية في غزة ستزداد تدهورًا، مع استمرار العمليات العسكرية التي أفضت إلى دمار واسع وأزمات إنسانية متفاقمة.
المفاوضات تقف عند مفترق طرق حساس: حماس قدمت مرونة متأخرة، والوسطاء كثفوا اتصالاتهم، لكن القرار النهائي مرهون بمدى استعداد واشنطن لممارسة ضغط مباشر على نتنياهو، الذي ما زال يناور بين مطالب الداخل وضغوط الخارج. نجاح الاتفاق قد يفتح الباب أمام هدنة ثالثة منذ بدء الحرب، لكن الفشل قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة، تعمق المأساة الإنسانية وتزيد من احتمالات انفجار الوضع إقليميًا.






