تشهد الساحة السورية مجدداً مؤشرات مقلقة على احتمالات عودة الحديث عن مشاريع التقسيم، في ظل تصاعد التوتر في منطقة الجزيرة السورية واحتدام المواجهة السياسية والشعبية مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). فالحراك الشعبي الذي اجتاح مدناً ومحافظات عدة احتجاجاً على ممارسات “قسد” لم يكن مجرد تعبير عن مظالم محلية، بل تجسيد لقلق وطني عميق من خطر يهدد وحدة الدولة السورية التي أنهكتها أكثر من عقد من الصراع. هذا الخطر يتمثل في تنامي النزعات الانفصالية التي تُغذّيها قوى خارجية ترى في تفكيك سوريا مدخلاً لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
صراعاً على الهوية والسيادة
إن جوهر الأزمة في الجزيرة السورية يتجاوز الصراع على السلطة المحلية أو الموارد، إذ يمثل صراعاً على الهوية والسيادة. فالقوى الكردية المنضوية في “قسد”، رغم تنوعها العرقي، ارتبطت تنظيمياً وسياسياً بحزب العمال الكردستاني، وهو ما أثار حساسية لدى المكوّن العربي والقبائل التي تشكل أغلبية سكانية في المنطقة. ومع الدعم الأمريكي والغربي المستمر لهذه القوات تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”، تحوّلت مناطق الجزيرة إلى كيان شبه مستقل يتمتع بإدارة ذاتية وهيكل أمني واقتصادي منفصل عن مؤسسات الدولة السورية، ما فتح الباب أمام احتمال تكريس واقع تقسيمي يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
تدرك دمشق أن استمرار هذا الوضع يشكل تهديداً مباشراً لسيادتها السياسية ووحدة أراضيها، خاصة أن منطقة الجزيرة تمثل عمقاً استراتيجياً واقتصادياً بالغ الأهمية بما تضمه من موارد النفط والغاز والقمح. ففقدان السيطرة على هذه المنطقة لا يعني خسارة جغرافيا فحسب، بل إضعافاً جوهرياً لقدرة الدولة المركزية على تمويل مؤسساتها واستعادة التوازن الاقتصادي بعد سنوات الحرب والعقوبات. ومن هنا، فإن أي نزعة انفصالية في الجزيرة ستُترجم فوراً إلى خلل في التوازن السياسي الداخلي، وتراجع في قدرة الحكومة على فرض سلطتها في باقي المناطق.
خطورة المشروع الانفصالي
كما أن تداعيات الانفصال، إن حدث، لن تقتصر على سوريا وحدها، بل ستمتد لتطال كامل الإقليم. فنجاح أي كيان انفصالي في شمال شرق سوريا سيُشعل موجات من المطالب المماثلة في العراق وتركيا وإيران، حيث يعيش ملايين الأكراد، ما يهدد بانفجار نزاعات قومية جديدة قد تعيد خلط الأوراق في الشرق الأوسط. هذا السيناريو يجعل من المشروع الانفصالي تهديداً إقليمياً بامتياز، لن تسمح به القوى الإقليمية، بما فيها أنقرة وطهران وموسكو، التي تتقاطع مصالحها في منع أي كيان كردي مستقل على الحدود.
من جهة أخرى، فإن استمرار الدعم الغربي لـ“قسد” دون أفق سياسي واضح يعمّق أزمة الثقة بين دمشق وواشنطن، ويُعطل فرص الحل السياسي الشامل الذي ترعاه الأمم المتحدة. كما يمنح الجماعات المتطرفة فرصة للعودة عبر استغلال حالة الفوضى والانقسام، وهو ما قد يهدد الأمن في الداخل السوري وفي دول الجوار على حد سواء.
معالجة ملف الجزيرة السورية
إن خطورة المشهد الراهن تكمن في أن أي تأخر في معالجة ملف الجزيرة السورية ضمن إطار وطني جامع سيحوّلها إلى “منطقة رمادية” تُدار من الخارج وتنفصل تدريجياً عن الجسد السوري. ولذلك، فإن المطلب الشعبي الذي عبّرت عنه الوقفات الاحتجاجية الأخيرة يعكس إدراكاً وطنياً بأن الحفاظ على وحدة سوريا لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وجودية لضمان بقاء الدولة واستقرارها.
ما يجري اليوم في الجزيرة هو اختبار حقيقي لصلابة الدولة السورية وقدرتها على استعادة دورها الجامع لكل مكوناتها. وإذا ما استمر الوضع الراهن دون تدخل وطني شامل ودعم إقليمي صادق، فقد تجد دمشق نفسها أمام واقع تقسيمي جديد يغيّر شكل الدولة ويهدد مستقبلها السياسي لسنوات طويلة قادمة.







