تركت الحرب داخل أجساد الجرحى في قطاع غزة، شظايا تحولت إلى مصدر ألم دائم يرافقهم في كل لحظة، حيث يعيش المصابون واقعًا قاسيًا تتداخل فيه المعاناة الجسدية مع الأزمات النفسية والإنسانية، في ظل عجز المنظومة الصحية عن توفير العمليات الدقيقة والعلاجات اللازمة لإنقاذهم من مضاعفات قد تلازمهم مدى الحياة.
وفي وقت تتواصل فيه تداعيات الحرب على مختلف مناحي الحياة داخل القطاع، يجد آلاف الجرحى أنفسهم عالقين بين آلام يومية متصاعدة وغياب فرص العلاج، خاصة أولئك الذين استقرت الشظايا في مناطق حساسة من أجسادهم كالأعصاب والعمود الفقري والرأس. ومع نقص الأجهزة الطبية والأدوية وتعطل أقسام كاملة في المستشفيات، أصبحت الإصابات التي كان يمكن علاجها تتحول تدريجيًا إلى إعاقات دائمة تهدد مستقبل المصابين وحياتهم الطبيعية.
شظايا في رأس الطفلة جوري
تعاني الطفلة جوري شحادة، والتي لم تتجاوز عامها الرابع، من وجود شظايا عالقة في رأسها تؤثر على ذاكرتها وتضغط على أعصاب الحركة لديها، مسببة لها نخزات كصعقات الكهرباء لا يتحملها جسدها الصغير.
“أُصيبت جوري بينما كانت تلعب في ساحة المنزل حيث تم قصف مجموعة من المواطنين في منطقة العامودي شمال القطاع، فتخللت شظية إلى رأسها واستقرت فيه”. حسب تصريحات والدتها لوكالة صفا.
وتضيف: “من هول القصف والصدمة تيبس جسد جوري ولم تقو على تحريك أطرافها حتى ظننا أنها أُصيبت بالشلل، حملها والدها إلى المشفى وهناك تبين أن شظية استقرت بالقرب من الأعصاب في رأسها، وحركتها تؤثر على أجزاء جسمها”.
وتتابع: “لم نترك طبيبًا مختصًا أو مشفى إلا وعرضنا جوري عليه والحديث واحد: يجب استئصال الشظية من رأسها بمعدات خاصة غير متوافرة في القطاع، وذلك لتجنب العبث بأعصاب الرأس”، موضحة أن طفلتها تعاني من آلام لا يتحملها كبير، وتعيش فقط على المسكنات التي لم تعد تعطي مفعولًا مع كثرة الاستعمال.
الشاب محمد: أشعر وكأني في الستين من عمري
أما الشاب محمد شعبان 30 عامًا الذي يجلس على كرسيه المتحرك، بعدما نجا من غارة استهدفت تجمعاً للمواطنين في شمال القطاع، لكنه ما يزال يحمل شظايا في ساقه وظهره تمنعه من الحركة كما كان في السابق.
يقول شعبان إن الألم يوقظه كل ليلة، ولم يعد قادرًا على السير لمسافات طويلة، فيما أخبره الأطباء أن استخراج الشظايا يحتاج إلى إمكانات غير متوفرة حاليًا. “أعيش حياة لم تكن يوماً حياتي، من يراني متلاصقاً بالكرسي المتحرك يظن أنني ابن الستين وأنا في العقد الثالث من عمري”.
ويتابع: “أصلي وأنا نائم على ظهري أو جالس على كرسيي، لا يمكنني دخول الحمام من دون مرافق، وهناك تيبس في عظام جسدي من قلة الحركة والمشي، كان الأمر في قدمي اليسرى وأسفل ظهري، والآن جميع مفاصل جسمي متيبسة”.
ويشير شعبان إلى أنه يواظب على جلسات العلاج الطبيعي على نفقته الخاصة كي لا يصاب بالشلل الكلي، موضحًا أن هذه الجلسات مكلفة ودفع عليها أكثر من 1200 شيكل، وذلك بعدما اختفت مراكز العلاج الطبيعي إثر تدميرها من قبل الاحتلال في الحرب.
ويردف: “منذ الأشهر الأولى للحرب أُصبت ولا أزال أعاني، وأخبرني الأطباء أن الحل الوحيد هو العلاج خارج القطاع، وذلك بسبب نقص المعدات وغياب الأدوية والأجهزة اللازمة”. حسب وكالة صفا.
نقص حاد في الأدوية
هناك ما يقارب 10 آلاف جريح في قطاع غزة يحتاجون إلى جراحات متقدمة في العظام، والمخ والأعصاب، والجراحات الدموية، حسب وزارة الصحة في غزة.
ويفتقر القطاع الصحي في قطاع غزة إلى المستهلكات الطبية، ويعاني من نقص الأدوات اللازمة للجراحات، مثل جراحة المخ، والعظام، والأوعية الدموية، والقلب والصدر بنسبة قد تصل إلى 80%، بالإضافة إلى أن أكثر من 50% من الأدوية الأساسية غير متوفرة، وكذلك 40% من أدوية الطوارئ المخصصة لإنقاذ الحياة.




