الأوضاع في شمال قطاع غزة دخلت مرحلة بالغة الخطورة مع إعلان الجيش الإسرائيلي مدينة غزة “منطقة قتال خطرة”، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة تحذيراً من كارثة إنسانية مضاعفة قد تهدد نحو مليون مدني بالنزوح أو الموت. هذا التصنيف العسكري ليس مجرد إجراء ميداني، بل يعكس استراتيجية إسرائيلية لتوسيع نطاق العمليات وإخضاع أكبر عدد من السكان لشروطها، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع القوانين الدولية التي تفرض حماية المدنيين أثناء النزاعات.
تفشي المجاعة
مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) حذّر بوضوح من أن استمرار العمليات العسكرية في المدينة، إلى جانب منع المساعدات، سيضاعف المخاطر الإنسانية، ليس فقط على من تبقى في غزة المدينة، بل على عموم القطاع. ومع عجز فرق الإغاثة عن الوصول إلى المدنيين، يصبح مصير مئات الآلاف رهينة للمواجهة العسكرية، حيث يتداخل القصف مع المجاعة في إنتاج واقع جديد يتسم بانهيار شامل للبنية الاجتماعية والإنسانية.
تقارير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” تؤكد أن المجاعة تفشت بالفعل في محافظة غزة، مع وصول أكثر من نصف مليون إنسان إلى حافة الموت جوعاً. الأخطر أن هذه المجاعة ليست محصورة في الشمال، بل يُتوقع أن تمتد إلى الوسط والجنوب مع نهاية الشهر، لتشمل دير البلح وخان يونس. هذا السيناريو يرسم صورة مأساوية لقطاع بأكمله مهدد بالفناء البطيء، حيث لا تعود المعركة فقط بين جيش ومقاومة، بل بين الإنسان والحياة نفسها.
كارثة إنسانية غير مسبوقة
التحذيرات الأممية تلاقت مع تصريحات فرنسية صريحة، حيث اعتبر الرئيس إيمانويل ماكرون أن المجاعة هي نتيجة مباشرة لمنع إدخال المساعدات، في اعتراف يحمّل إسرائيل المسؤولية المباشرة عن الكارثة. دعوة ماكرون لوقف القتال فوراً واستئناف تدفق المساعدات تمثل موقفاً أوروبياً متقدماً نسبياً، لكنه لا يزال يفتقر إلى أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل، وهو ما يجعل المأساة مستمرة رغم الإدانات اللفظية.
المستشفيات في غزة تقدّم دليلاً يومياً على حجم الانهيار: أكثر من ألفي شهيد جراء التجويع و16 ألف إصابة مرتبطة بسوء التغذية ونقص الدواء، معظمهم أطفال. هذه الأرقام تجعل من القطاع نموذجاً لكارثة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ النزاعات الحديثة، حيث يُستخدم التجويع كسلاح عسكري لإخضاع السكان، في مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف.
فشل النظام الدولي
المشهد برمته يعكس تحوّل غزة إلى ساحة اختبار قاسٍ لقدرة المجتمع الدولي على فرض قواعد القانون الإنساني. فبينما تصر إسرائيل على المضي في عمليتها العسكرية وتوظيف التجويع أداة حرب، تتكشف محدودية ردود الفعل الدولية التي تكتفي بالتحذير والبيانات. استمرار هذا الوضع قد يقود إلى انهيارات أوسع تمتد إلى المنطقة، سواء عبر موجات نزوح جديدة أو عبر تصاعد الغضب الشعبي والسياسي ضد المعايير المزدوجة في التعامل مع حقوق الإنسان.
بهذا، تصبح غزة اليوم العنوان الأوضح لفشل النظام الدولي في حماية المدنيين وقت الحرب. والسلطة الفلسطينية، ومعها الدول العربية والوسطاء الدوليون، أمام مسؤولية مضاعفة: فمن جهة لا بد من الضغط السياسي والقانوني لوقف الهجوم، ومن جهة أخرى هناك ضرورة لتأمين ممرات إنسانية عاجلة قبل أن يتحول الحصار إلى إبادة جماعية مكتملة الأركان.







