في الوقت الذي تستنزف فيه الحرب الروسية الأوكرانية اقتصادات كبرى حول العالم، تبدو كوريا الشمالية واحدة من أكثر الدول التي استفادت مالياً من هذا الصراع الطويل. فبحسب تقديرات نقلتها وسائل إعلام يابانية عن مراكز أبحاث مرتبطة بالاستخبارات الكورية الجنوبية، تمكنت بيونغ يانغ من تحقيق عائدات قد تصل إلى 14 مليار دولار خلال ثلاث سنوات فقط من دعمها العسكري لروسيا.
الرقم ليس عادياً بالنسبة لدولة تعاني من العقوبات والعزلة الدولية المزمنة، بل يقترب فعلياً من حجم الناتج المحلي السنوي لكوريا الشمالية نفسها. وهذا يعني أن الحرب في أوكرانيا لم تعد بالنسبة لبيونغ يانغ مجرد فرصة سياسية لتعزيز علاقتها مع موسكو، بل تحولت إلى مصدر إنعاش اقتصادي غير مسبوق.
الأمر اللافت أن هذا التحول جاء في لحظة كانت فيها كوريا الشمالية تعاني من ضغوط اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الدولية وإغلاق الحدود خلال جائحة كورونا. لكن الحرب فتحت فجأة سوقاً ضخمة للأسلحة والذخيرة والعمالة العسكرية، وهي المجالات التي تمتلك فيها بيونغ يانغ خبرة طويلة وقدرات جاهزة.
السلاح الكوري… وقود الحرب الروسية
التقارير تشير إلى أن الجزء الأكبر من الأموال جاء من تزويد روسيا بالذخائر والمدفعية الصاروخية والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وعلى رأسها صواريخ “كي إن-23” التي استخدمت في الحرب ضد أوكرانيا.
بالنسبة لموسكو، كان هذا التعاون حيوياً في مرحلة بدأت فيها الحرب تتحول إلى معركة استنزاف طويلة تتطلب كميات هائلة من الذخيرة والأسلحة التقليدية. أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فقد وجدت نفسها أمام فرصة نادرة لتحويل مخزونها العسكري الضخم إلى مصدر دخل استراتيجي.
المثير أن التعاون لم يقتصر على السلاح فقط، بل امتد إلى العنصر البشري أيضاً. فإرسال جنود وخبراء متفجرات وعمال بناء إلى روسيا يعكس انتقال العلاقة بين البلدين من مجرد شراكة سياسية إلى شبه تحالف عسكري واقتصادي متكامل.
وتقول التقديرات إن موسكو دفعت مئات الملايين من الدولارات لقاء مشاركة الجنود الكوريين الشماليين، الذين تم نشر بعضهم في مناطق قريبة من الجبهة، خصوصاً في منطقة كورسك.
الدم مقابل الدولار
لكن خلف هذه الأرباح الضخمة، هناك ثمن بشري ثقيل تدفعه كوريا الشمالية بصمت. فالتقارير القادمة من كوريا الجنوبية تتحدث عن آلاف القتلى والجرحى من الجنود الكوريين الشماليين خلال المعارك ضد القوات الأوكرانية.
اللافت أن السلطات في بيونغ يانغ تحاول تقديم هؤلاء القتلى ضمن خطاب “التضحية الوطنية” المرتبط بالشراكة مع روسيا، في وقت بدأت تظهر فيه أعمدة ونصب تذكارية جديدة داخل العاصمة تحمل أسماء القتلى.
وهذا يكشف جانباً حساساً من العلاقة الجديدة بين موسكو وبيونغ يانغ: كوريا الشمالية لا تبيع السلاح فقط، بل أصبحت تصدّر أيضاً القوة البشرية والخبرات العسكرية مقابل المال والدعم السياسي والتكنولوجي.
بالنسبة للزعيم Kim Jong Un، تبدو الحرب فرصة مزدوجة: إنعاش الاقتصاد من جهة، وتعزيز موقعه الدولي من جهة أخرى عبر بناء تحالف أوثق مع روسيا في مواجهة الغرب.
تحالف الحرب… كيف تغيّرت العلاقة بين موسكو وبيونغ يانغ؟
توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين Vladimir Putin وكيم جونغ أون شكّل نقطة تحول حقيقية في العلاقة بين البلدين. فالاتفاق لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل تضمّن بنوداً واضحة حول التعاون العسكري والمساعدة المتبادلة في حال تعرض أحد الطرفين لعدوان.
هذا التطور يعكس تغيراً أعمق في بنية التحالفات الدولية بعد حرب أوكرانيا. فروسيا، التي كانت تحاول لسنوات الحفاظ على توازنات دقيقة في علاقاتها الدولية، أصبحت أكثر استعداداً للاعتماد على دول معزولة مثل كوريا الشمالية وإيران لتأمين احتياجاتها العسكرية.
وفي المقابل، استفادت بيونغ يانغ من هذا التحول للحصول على ما تحتاجه بشدة: المال، والغذاء، والطاقة، وربما أيضاً التكنولوجيا العسكرية الروسية المتقدمة.
بعض المحللين يرون أن أخطر ما في هذا التعاون ليس فقط الدعم العسكري الحالي، بل إمكانية تطوره مستقبلاً إلى تبادل أوسع للتقنيات العسكرية، بما في ذلك مجالات الصواريخ والأقمار الصناعية والغواصات.
الحرب التي تعيد تشكيل العالم
ما يحدث بين روسيا وكوريا الشمالية يكشف كيف أعادت الحرب الأوكرانية رسم خطوط التحالفات الدولية بطرق لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة. فالدول المعزولة أو الخاضعة للعقوبات وجدت في الصراع فرصة لإعادة التموضع وكسر جزء من عزلتها عبر بوابة الحرب.
لكن في الوقت نفسه، يعكس هذا المشهد حجم التحول الذي دخلته الحرب نفسها. فالصراع لم يعد مجرد مواجهة بين موسكو وكييف، بل أصبح ساحة مفتوحة تتقاطع فيها مصالح اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية تمتد من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن الحرب التي استهدفت إضعاف روسيا وعزل حلفائها، ساهمت في النهاية في خلق شبكة تعاون جديدة بين قوى تعتبرها واشنطن خصوماً مباشرين للنظام الدولي الغربي.




