في اليوم الأخير من قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك” في كوريا الجنوبية، بدا المشهد مختلفًا تمامًا عن البدايات، فبينما غادر الرئيس الأميركي دونالد ترمب القمة متجهًا إلى واشنطن بعد لقائه بنظيره الصيني شي جينبينغ، ظلت الكاميرات وعدسات الإعلام مركزة على الأخير، الذي تحوّل إلى محور الاهتمام الإقليمي والدولي.
غياب ترمب وظهور شي
بدا وكأنّ غياب ترمب عن الجلسات الختامية أفسح المجال لبكين لتملأ الفراغ السياسي والإعلامي بذكاء شديد.
هذا الظهور اللافت للرئيس الصيني لم يكن مجرد بروتوكول، بل استراتيجية محسوبة تهدف إلى تثبيت الصين كقوة قائدة للتعددية الاقتصادية في مواجهة النهج الأحادي الذي تمثّله واشنطن.
خطاب شي في ختام القمة كان حافلًا بالرسائل المبطنة حول «مستقبل آسيا للعالم وليس لعقيدة الهيمنة»، في إشارة مباشرة إلى أن بكين باتت ترى نفسها بديلًا للنظام الاقتصادي الذي صاغته الولايات المتحدة خلال العقود الماضية.
لم يكن اختيار الصين لاستضافة القمة المقبلة في مدينة شنتشن مجرد صدفة؛ بل خطوة رمزية لإعادة مركز الثقل الاقتصادي الآسيوي إلى أراضيها. فشنتشن تمثل «نموذج الصين الجديدة»، مدينة التكنولوجيا والانفتاح، والواجهة التي تريد بكين أن يراها العالم كرمز لقيادتها القادمة للاقتصاد الآسيوي.
ووسط هذا المشهد، بدا أن الصين استغلت غياب ترمب لتظهر بصورة الدولة المتماسكة الواثقة، في وقت يسود فيه الارتباك داخل السياسات الأميركية الآسيوية. القمة، التي كان يُفترض أن تُبرز هدنة اقتصادية بين واشنطن وبكين، تحولت إلى منصة تؤكد فيها الأخيرة أنها باتت تمتلك زمام المبادرة في آسيا.
لقاءات متعددة.. ورسائل محسوبة
خلال القمة، أجرى شي جينبينغ سلسلة لقاءات مع قادة آسيويين وغربيين، عكست بوضوح رغبة بكين في ترميم شبكة العلاقات الدولية بعد سنوات من التوتر التجاري والسياسي.
لقاؤه برئيس الوزراء الكندي مارك كارني مثّل عودة دبلوماسية مهمة بعد قطيعة دامت أكثر من سبع سنوات، خصوصًا بعدما أبدى كارني استعداده لـ«إعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح» رغم الملفات الشائكة.
وفي لقائه برئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، أظهر شي براعة دبلوماسية في إدارة الحوار مع خصم سياسي تقليدي.
“تاكايتشي” المعروفة بانتقاداتها الحادة للصين، خرجت من الاجتماع وهي تتحدث عن «علاقة استراتيجية ذات منفعة متبادلة»، رغم تأكيدها على استمرار الخلافات. بدا واضحًا أن الصين تريد بناء شبكة علاقات متوازنة حتى مع الدول التي لا تتفق معها سياسيًا.
أما اللقاء الأبرز فكان مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، الذي تولى منصبه حديثًا. هذا اللقاء لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل محاولة صينية مدروسة لطمأنة سيول بعد سنوات من التوتر بسبب منظومة الدفاع الأميركية «ثاد».
الرسالة الصينية كانت واضحة: بإمكان كوريا الجنوبية الحفاظ على تحالفها الأمني مع واشنطن دون أن تخسر شراكتها الاقتصادية مع بكين.
بهذه اللقاءات المتتالية، رسمت الصين مشهدًا جديدًا للدبلوماسية الإقليمية يقوم على استبدال المواجهة بالاحتواء، والعزلة بالانفتاح، وهي معادلة تبدو موجهة مباشرة إلى الرأي العام الآسيوي أكثر من الحكومات ذاتها.
قمة غيونغجو.. منصة لتثبيت القيادة الآسيوية
قمة «أبيك» في غيونغجو لم تكن مجرد لقاء اقتصادي، بل اختبار عملي لموقع القوى الكبرى في آسيا بعد عقدين من التحولات الجذرية.
وبغياب ترمب عن الجلسات الأخيرة، بدا أن واشنطن تركت الساحة فارغة أمام خصمها التاريخي. استثمر شي جينبينغ هذه اللحظة الاستراتيجية لتقديم الصين باعتبارها «المدافع عن التعددية»، مستخدمًا خطابًا مختلفًا عن اللهجة الصدامية التي اتسمت بها الإدارات الأميركية المتعاقبة.
التحركات الصينية لم تكن سياسية فقط، بل اقتصادية أيضًا. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعيد النظر في رسومها الجمركية على الصين، كانت بكين تبادر بطرح مبادرات جديدة لتسهيل التجارة الإقليمية وتوسيع مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، ضمن إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أعيد تقديمها في القمة بثوب أكثر براغماتية.
كما بدت الصين حريصة على كسب حلفاء غير تقليديين من خارج دائرتها الآسيوية المباشرة، مثل كندا واليابان، في محاولة لتطويق النفوذ الأميركي من خلال التعاون الاقتصادي.
هذه الاستراتيجية المتعددة الاتجاهات عززت الانطباع بأن الصين لم تعد تكتفي بلعب دور «المنافس»، بل تسعى فعليًا لقيادة النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
وفي خلفية هذه التحركات، كانت العيون تتجه نحو إعلان شي استضافة القمة المقبلة في شنتشن. الإعلان لم يكن مجرد خبر بروتوكولي، بل رسالة بأن آسيا تعود لتدور في الفلك الصيني من جديد.
البراغماتية الكورية.. بين واشنطن وبكين
لطالما شكلت كوريا الجنوبية نموذجًا للسياسة البراغماتية في التعامل مع القوى الكبرى. فبينما تعتبر واشنطن الضامن الأمني الرئيسي لها، تبقى الصين أكبر شريك تجاري واقتصادي، وهذا التوازن المعقد ظهر بوضوح في لقاء لي جاي ميونغ مع شي جينبينغ، حيث سعى الرئيس الكوري إلى طمأنة بكين بأن انفتاحه على واشنطن لن يكون على حساب الشراكة الآسيوية.
منذ أزمة «ثاد» عام 2016، تعلمت سيول أن الصدام مع الصين مكلف اقتصاديًا، وأن المصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على علاقة مرنة مع الجارة العملاقة. لذا جاءت الرسالة الكورية واضحة: الأمن مع واشنطن… والاقتصاد مع بكين. وهي معادلة دقيقة لكنها ضرورية في عالم تسوده الانقسامات الاقتصادية والسياسية.
بكين من جانبها رحّبت بهذا التوجه، وحرصت على إظهار لقاء شي ولي كمشهد رمزي لتطبيع العلاقات وإعادة الدفء إلى قنوات الحوار. ولم يكن مصادفة أن يسبق اللقاء تسريبات إعلامية عن نية كوريا الجنوبية الانضمام إلى بعض مشاريع الصين في مجال التكنولوجيا النظيفة والطاقة المستدامة.
في هذا الإطار، رأت الأوساط السياسية في سيول أن زيارة شي جينبينغ تمثل فرصة لإعادة التموضع في مواجهة الاستقطاب الحاد بين واشنطن وبكين، خصوصًا بعد تصريحات بيونغ يانغ الأخيرة التي نسفت آمال نزع السلاح النووي، والصين تدرك أن الملف الكوري الشمالي يظل ورقة ضغطها الأهم في أي معادلة إقليمية مقبلة.
الصين تملأ الفراغ الأميركي بثقة واستراتيجية
يقول الدكتور ليونارد تشانغ، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هونغ كونغ، إن ما حدث في قمة «أبيك» يمثل تحولًا دبلوماسيًا مهمًا في المشهد الآسيوي، فبينما ركزت الإدارات الأميركية السابقة على إدارة الصراعات، اختارت الصين أن تقدم نفسها كصاحبة مبادرات. يرى تشانغ أن بكين لم تعد تخشى مواجهة واشنطن في العلن، بل باتت تمتلك أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي الكفيلة بفرض حضورها دون صدام مباشر.
ويضيف أن مغادرة ترمب المبكرة من القمة منحت شي جينبينغ فرصة نادرة للظهور كزعيم مسؤول أمام المجتمع الدولي، وهي لحظة التقطتها بكين بدقة فائقة. فالصين تعلم أن الصورة في الدبلوماسية لا تقل أهمية عن القرار، وأن الهيمنة لا تُمارس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالرمزية السياسية.
ويؤكد تشانغ أن إعلان استضافة القمة المقبلة في شنتشن ليس قرارًا إداريًا بل خطوة استراتيجية، تهدف إلى نقل مركز الحوار الاقتصادي الآسيوي إلى أرض صينية خالصة. هذا يعكس ما يسميه بـ«التموضع الجيو-اقتصادي»، حيث تستبدل الصين الأدوات الصلبة بأخرى ناعمة لكنها فعالة.
ويختم الخبير الآسيوي بالقول إن آسيا اليوم تشهد بداية مرحلة جديدة من التعددية بقيادة بكين، خاصة مع تراجع الثقة العالمية في القيادة الأميركية، وتزايد رغبة الدول في تنويع تحالفاتها الاقتصادية.
توازن القوة الناعمة.. وصياغة النظام الاقتصادي الجديد
يرى الخبير الكوري سونغ هيون لي، باحث في مركز آسيا بجامعة هارفارد، أن ما يجري في آسيا اليوم هو اختبار لقدرة الصين على بناء تحالفات قائمة على المصلحة لا الأيديولوجيا.
ويشير إلى أن بكين تستخدم أدوات «القوة الناعمة» بشكل أكثر ذكاء من أي وقت مضى، من خلال استضافة القمم، وتمويل البنية التحتية، وتقديم نفسها كشريك موثوق بعيدًا عن النزعة العقابية التي تميز السياسات الأميركية.
ويضيف أن لقاء شي ولي جاي ميونغ لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي، بل تجسيد لسياسة «البراغماتية المتبادلة»، حيث تسعى كل من سيول وبكين لتفادي خسارة أي من القوتين الكبريين، ويعتقد أن كوريا الجنوبية قد تصبح نموذجًا جديدًا للدول المتوسطة التي توازن بين العملاقين دون أن تُبتلع.
ويرى سونغ أن الصين تنتهج حاليًا ما يمكن تسميته بـ«دبلوماسية الطمأنة»، فهي لا تسعى إلى فرض إرادتها بقدر ما تركز على كسب الثقة من خلال الشراكة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تبدو قمة «أبيك» نقطة انطلاق لمشروع أوسع يرمي إلى جعل الصين المحرك الرئيسي للاقتصاد الآسيوي.
ويختتم قائلاً: إذا استمرت الولايات المتحدة في الانكفاء عن الملفات الآسيوية الحساسة، فإن الصين ستملأ هذا الفراغ بطريقتها الخاصة، عبر مزيج من الاقتصاد والسياسة والثقافة، لتعيد رسم خريطة النفوذ في القارة – وربما في العالم كله.






