تكشف المعطيات التي يعرضها الدفاع المدني في غزة فجوة متسعة بين حجم الاحتياجات الفعلية والقدرة التشغيلية المتاحة، فاستمرار العمل بإمكانات محدودة، سواء في الاستجابة لنداءات الاستغاثة أو في انتشال الجثامين وإزالة الركام، يشير إلى أن الأزمة لم تعد طارئة بالمعنى التقليدي، بل تحولت إلى وضع شبه دائم يعيد تعريف مفهوم “ما بعد الحرب”.
كما أن تداخل العوامل المناخية مع غياب المأوى والخدمات الصحية يضاعف من المخاطر، ويحول الكارثة من حدث مرتبط بالتصعيد العسكري إلى بيئة معيشية غير مستقرة على مدار العام.
الاحتلال يسيطر على الأراضي ويدمر المنازل
التعامل الجزئي أو المرحلي مع الاحتياجات، يعمق هشاشة المنظومة الخدماتية، ويجعل أي صدمة جديدة سواء كانت أمنية أو طبيعية، قادرة على إعادة إنتاج المأساة بوتيرة أسرع. بذلك، تبدو غزة أمام معادلة معقدة: احتياجات إنسانية متراكمة، وقدرات استجابة محدودة، وغياب أفق واضح لإعادة الإعمار الشامل أو الاستقرار المستدام.
يعيش قطاع غزة مأساة إنسانية حقيقية تتفاقم يومًا بعد يوم، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بعمليات القصف وقتل المدنيبن، وعدم إدخال المساعدات والبيوت المتنقلة لإيواء النازحين، فضلا عن أن القطاع لم يتعرض فقط لعمليات قصف وقتل يومي، بل يعيش مأساة حقيقية بدأت منذ بداية الحرب وحتى اللحظة. حسب تصريحات المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة الرائد محمود بصل، لوكالة صفا.
الاحتلال ما يزال يقتل ويصيب المدنيين، ويسيطر على الأراضي، ويدمر المنازل، ويُنغص حياة السكان بشكل كامل.
واقع مأساوي، وأن المواطنين بُواجهون أيضًا، عوامل طبيعية قاسية تزيد من معاناتهم، مثل المنخفضات الجوية في الشتاء، وارتفاع درجات الحرارة في الصيف، في ظل غياب المأوى المناسب وانعدام البنية التحتية. وفقا لـ بصل.
استراتيجية “التنقيط”
وتابع “هناك أطفال يموتون، وأسر بلا منازل، وواقع إنساني مريض بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كل هذه العوامل تجعل المواطن يعيش كارثة حقيقية بكل المقاييس، ومن يعتقد أن الحرب انتهت فهو واهم.. ربما تغير شكلها أو وتيرتها. في ظل الواقع المأساوي، وضعنا الجهات المختصة والمنظمات الدولية أمام الصورة الحقيقية لما يجري في غزة، وطالبناها بالتحرك العاجل، نظرًا لأن القطاع يعيش حالة استثنائية وظروفًا قاسية، لكن للأسف، كانت الإجابات بوجود مشكلة مرتبطة بالاحتلال، الذي يرفض إدخال الاحتياجات بالشكل المطلوب، بل ويعمل على إبقاء المشهد الإنساني متدهورًا”.
وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، أن الاحتلال يعتمد استراتيجية “التنقيط” في إدخال المساعدات وحل المشكلات بشكل جزئي جدًا، فعلى سبيل المثال، إذا كانت حركة المعابر يفترض أن تعمل بنسبة 100%، فهي اليوم لا تعمل إلا بنحو 40%. وأما المساعدات الإنسانية، وفق بصل، فلا يدخل منها سوى حوالي 43% من الاحتياج الفعلي، وبالنسبة للبنية التحتية، فهي معدومة، والخدمات المقدمة للمواطنين في وضع صعب للغاية.
وحول المنخفض الجوي وتضرر خيام النازحين، قال بصل: “لا توجد خيمة في غزة لم تتضرر من الأمطار منذ الليلة الماضية وحتى صباح اليوم، فهناك آلاف الخيام تعرضت للغرق، لأن ساعة واحدة من الهطول كفيلة بإغراق كثير من الخيام”. وبين أن المشكلة لا تقتصر على تساقط الأمطار فقط، بل تشمل ما يترتب عليها من أمراض، نتيجة العيش في بيئة رطبة وغير صحية، وانتشار العدوى والأمراض الجلدية، ودخول السيول إلى الخيام، وغرق الأمتعة وأفرشة النوم.
انتشال أكثر من ألف شهيد
وعن تعامل الدفاع المدني مع الحالات الإنسانية في ظل نقص الوقود، أكد بصل أن الدفاع المدني يواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل نقص حاد بالوقود، لأن ما يتم تزويده من كميات تكون محدودة جدًا، ما يؤدي إلى بقاء العديد من نداءات الاستغاثة دون استجابة فورية. حسب وكال صفا.
وأشار إلى أن المعدات والمركبات المتوفرة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياج، لافتًا إلى أن المدخلات في غزة صفرية، وبالتالي فإن القدرة على الاستجابة محدودة للغاية. وذكر أن نداءات الاستغاثة التي ترد إلى الدفاع المدني تشمل غرق الخيام، الحرائق، حوادث السقوط، إنقاذ المحاصرين، إزالة الركام، وانتشال الشهداء، وكلها تتطلب إمكانيات ووقودًا ومعدات غير متوفرة بالشكل الكافي.
الدفاع المدني لا يتوقف دوره لا أثناء الحرب ولا بعدها، بل يتضاعف الضغط عليه وتزداد مسؤولياته، لكن للأسف لا توجد منظومة دولية قادرة على تزويده بالإمكانات والمعدات اللازمة ليؤدي مهامه بالشكل المطلوب داخل القطاع. وفيما يتعلق بانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، قال “بصل” إن طواقمه انتشلت منذ بداية وقف إطلاق النار أكثر من ألف شهيد من تحت الأنقاض، من مبانٍ مدمرة وغير مدمرة في قطاع غزة.




