سارعت القوات الحكومية السورية، يوم الاثنين، إلى بسط سيطرتها على مناطق نفوذ حيوية في شمال وشرق البلاد، شملت حقول نفط رئيسية ومدينة الرقة، في أعقاب اتفاق غير مسبوق أُبرم خلال عطلة نهاية الأسبوع مع القوات التي يقودها الأكراد. ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره التحول الأعمق في الخريطة العسكرية والسياسية السورية منذ سقوط بشار الأسد، لما يحمله من دلالات حاسمة على إعادة توزيع موازين القوة لمصلحة الرئيس أحمد الشرع.
الانتشار السريع للقوات الحكومية جاء بعد موافقة قوات سوريا الديمقراطية على الانسحاب من محافظتي دير الزور والرقة، وهما منطقتان شكلتا طوال سنوات العمود الفقري لسلطتها العسكرية والاقتصادية. ورغم الإعلان عن الاتفاق، لم تخلُ المرحلة الانتقالية من توتر أمني واضح، إذ تحدثت “قسد” عن هجمات استهدفت سجونًا تضم عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في الشدادي، إلى جانب اشتباكات محدودة قرب منشآت احتجاز أخرى في محيط الرقة، ما كشف هشاشة الوضع في لحظة تسليم شديدة الحساسية.
ينص الاتفاق، الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، على اندماج عناصر “قسد” في مؤسسات الدولة الأمنية بصفتهم أفرادًا، لا كقوة مستقلة، وعلى تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط وسجون تنظيم الدولة الإسلامية إلى سلطة دمشق. ورغم ذلك، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تحتفظ بالسيطرة على محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، بما في ذلك السجون الرئيسية ومعسكرات احتجاز مرتبطة بالتنظيم، في ظل غموض يكتنف توقيت وآلية تسليمها.
سياسيًا، يُمثل هذا الانسحاب ضربة استراتيجية قاسية لقوات سوريا الديمقراطية، إذ تتخلى عن مواردها الاقتصادية الأساسية ورمزها السياسي الأبرز، الرقة، مقابل الاحتفاظ بنطاق حكم ذاتي محدود. ويُعيد هذا التحول رسم نتيجة الصراع السوري، واضعًا حدًا فعليًا لطموحات كيان كردي موسع في شمال شرق البلاد، ومُرسخًا عودة الدولة المركزية كلاعب مهيمن.
في المقابل، يشكل الاتفاق مكسبًا بالغ الأهمية لحكومة الشرع، التي نجحت، بدعم وضغوط إقليمية قادتها تركيا، في تحقيق ما عجزت عنه العمليات العسكرية المباشرة لسنوات. ويعكس هذا المسار تحولًا أوسع في حسابات واشنطن وحلفائها، حيث بات الأكراد، الذين كانوا في صلب الاستراتيجية الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أقل أولوية في معادلة إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح أنقرة ودمشق.
أحد أخطر جوانب هذا التحول يتمثل في ملف سجون تنظيم الدولة الإسلامية. فالهجمات التي سُجلت خلال الأيام الأولى من تنفيذ الاتفاق تُنذر بأزمة أمنية فورية، إذ إن أي انهيار في منظومة الحراسة أو فرار جماعي للمعتقلين قد يعيد إحياء تمرد التنظيم في بيئة لا تزال هشة. هذا الخطر يضع دمشق أمام اختبار مبكر لقدرتها على إدارة ملف أمني شديد التعقيد، كما يفتح الباب أمام احتمال تدخل خارجي جديد تحت ذريعة منع عودة التنظيم.
كما أن الشرط المتعلق بإبعاد العناصر المرتبطة بحزب العمال الكردستاني يعكس بوضوح البعد التركي للاتفاق، ويخدم بصورة مباشرة أجندة أنقرة الأمنية، التي لطالما اعتبرت وجود الحزب في شمال سوريا تهديدًا استراتيجيًا. وبهذا المعنى، لا يقتصر الاتفاق على كونه تسوية داخلية سورية، بل يُعد امتدادًا لمسار إقليمي تقوده تركيا لإعادة ترتيب الحدود الأمنية والسياسية في جوارها الجنوبي.
على المدى المتوسط، سيؤدي تقلص رقعة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وفقدانها لمصادر التمويل إلى تقويض قدرتها على العمل كقوة عسكرية مستقلة، ما يجعلها معتمدة بشكل شبه كامل على دمشق في الموارد والحماية. وفي المقابل، تمنح السيطرة على أكبر حقول النفط في البلاد الحكومة السورية دفعة اقتصادية حاسمة، من شأنها تعزيز الاستقرار المالي النسبي وترسيخ شرعية السلطة الجديدة بعد سنوات من الانقسام والتشظي.
في المحصلة، لا يقتصر هذا الاتفاق على إعادة توزيع مناطق السيطرة، بل يؤسس لمرحلة جديدة في سوريا، تُدار فيها التسويات عبر تفاهمات إقليمية مباشرة، وتُهمَّش فيها القوى المحلية التي كانت، حتى وقت قريب، في قلب الصراع. وهو تحول لا يعيد تشكيل الداخل السوري فحسب، بل يبعث برسائل واضحة إلى بقية ساحات النزاع في الشرق الأوسط حول موازين القوة الجديدة وأدوات فرضها.







