ملف انتخاب المغتربين اللبنانيين عاد ليطفو على السطح مجدداً، بعد أن أحالت الحكومة مشروع قانون معجّل مكرّر لتعديل المادة المتعلقة بحصر أصوات المغتربين بستة مقاعد نيابية فقط، ومنحهم الحق مجدداً بالتصويت للنواب الـ128 وفق دوائرهم الانتخابية الأصلية في لبنان. هذا التطور يعيد إلى الواجهة النقاش المستمر حول حقوق المغتربين، والصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس النواب، ودور الأحزاب السياسية الكبرى في تحديد مسار التشريع الانتخابي.
من البداية، كان الهدف من تعديل القانون توسيع مشاركة المغتربين في الانتخابات اللبنانية، بما يعكس التنوع الجغرافي والسياسي للمغتربين المنتشرين في مختلف الدول، لكن هذا الطموح اصطدم بمعارضة قوية من أطراف أساسية، أبرزها الثنائي الشيعي «حزب الله» و«أمل»، و«التيار الوطني الحر»، الذين يرفضون توسيع حق التصويت للمغتربين خارج الحدود الستة المخصصة لهم في القانون الحالي.
معضلة صلاحيات برّي
إشكالية إدراج القانون على جدول أعمال البرلمان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصلاحيات رئيس المجلس نبيه بري. النظام الداخلي يمنحه مساحة واسعة للمناورة، فهو يستطيع إما إدراج مشروع القانون مباشرة على جدول أعمال الجلسة العامة، أو إحالته إلى اللجان النيابية لمناقشته، وهو ما يفتح المجال لتأجيل البت فيه لأسابيع، وهو ما قد يؤثر مباشرة على قدرة المغتربين على التسجيل والتصويت قبل انتهاء المهلة القانونية في 20 نوفمبر الجاري. هذا الوضع خلق توتراً بين القوى السياسية، حيث يرى أنصار التعديل أن أي تأخير من رئيس المجلس يشكل تجاوزاً للإرادة النيابية والوزارية، بينما يعتبر المعارضون أن الإحالة إلى اللجان جزء من ممارسة طبيعية للسلطة التشريعية، خصوصاً إذا كان المشروع معجلاً مكرراً ويحتاج إلى دراسة دقيقة ضمن سياق مشاريع أخرى مماثلة.
النائب في تكتل «الجمهورية القوية» جورج عقيص شدد على أن إحالة مشروع القانون إلى اللجان في هذه الحالة يعد مخالفة دستورية، نظراً لطبيعة القانون المعجّل المكرر، مشيراً إلى أن المنطق وحسن الإدارة يتطلبان إدراجه مباشرة على جدول الأعمال في أول جلسة عامة. ويتوافق هذا الموقف مع رؤية عدد من النواب الذين يعتبرون أن التردد في اتخاذ قرار سريع قد يؤدي إلى حرمان المغتربين من ممارسة حقوقهم الانتخابية، فضلاً عن أنه يعكس غياب الالتزام بالإجراءات البرلمانية المتعارف عليها.
حرمان المغتربين من ممارسة حقهم
من الناحية القانونية، يشير الخبير الدستوري سعيد مالك إلى أن المادة 106 من النظام الداخلي لمجلس النواب تجيز للرئيس إحالة المشاريع المعجّلة إلى اللجان، مع إلزام تلك اللجان بإتمام الدراسة خلال خمسة عشر يوماً وإحالتها إلى الهيئة العامة، في حين أن المادة 109 تتيح للرئيس إدراج المشاريع على جدول أعمال الجلسة العامة مباشرة إذا كان راضياً عنها. وبالتالي، فإن القرار النهائي يعود لتقدير الرئيس، سواء بالإحالة إلى اللجنة لتمريره ضمن مشاريع أخرى، أو إدراجه فوراً لمناقشته وإقراره. هذه الصلاحيات تمنح الرئيس مرونة كبيرة في توجيه مسار التشريع، وتوضح لماذا أصبحت مسألة انتخابات المغتربين مرتبطة بالمناورات السياسية داخل البرلمان.
في المقابل، يرى النواب المؤيدون للتعديل أن الإحالة إلى اللجان لن تحل المسألة في الوقت المناسب، خصوصاً أن هناك مهلة محددة للتسجيل في القانون الحالي تمتد حتى 20 نوفمبر، وأن أي تأخير قد يؤدي إلى حرمان آلاف المغتربين من ممارسة حقهم. هذا الأمر دفع ببعض القوى السياسية إلى التحضير لإجراءات تصعيدية محتملة في حال استمر التأخير، بما في ذلك الضغط الإعلامي والسياسي لرفع وتيرة النقاش حول القانون وضمان إدراجه على جدول الأعمال قبل انتهاء المهلة القانونية.
من زاوية أخرى، يعكس هذا الصراع التشريعي التوازن السياسي الداخلي، حيث تتقاطع مصالح القوى التقليدية مع مصالح الأحزاب التي تمثل توجهات مغتربة وسيادية. ويبرز الخطر المحتمل من هذه الديناميكية في قدرتها على تعطيل عملية الإصلاح الانتخابي، أو فرض معايير تقيّد حقوق فئات معينة، كما هو الحال بالنسبة للمغتربين. في هذا السياق، تصبح الصلاحيات الواسعة لرئيس المجلس أداة ضغط سياسية، ليس فقط على النواب، بل أيضاً على الحكومة، التي ترى في تعديل القانون فرصة لتوسيع المشاركة الديمقراطية، وتحقيق توافق أكبر بين الداخل اللبناني والمغتربين.
صدام بين الموقف الطائفي والدستور
الخطاب السياسي المعلن وغير المعلن يعكس بوضوح الانقسام حول هذا الملف. فقد وجه المفتي الجعفري أحمد قبلان تحذيراً مباشراً بأن أي تعديل يخالف مصالح أهل الجنوب والبقاع والضاحية لن يمر، مشدداً على دور «أمل» و«حزب الله» كحماية للمصالح الطائفية والسياسية في هذه المناطق، ورفضهم لأي قانون قد يمس حقوق الطائفة الشيعية أو يقلل من تأثيرهم في البرلمان. هذا الموقف يعكس حجم التحديات التي تواجه أي محاولة لتوسيع المشاركة الانتخابية، ويبين كيف أن الاعتبارات الطائفية والسياسية غالباً ما تفرض نفسها على الاعتبارات الدستورية أو الحقوقية.
من منظور استراتيجي، يشير هذا الملف إلى طبيعة النظام السياسي اللبناني المعقد، حيث تتداخل الصلاحيات القانونية مع النفوذ السياسي، ويصبح كل قانون انتخابي ساحة صراع بين القوى الكبرى. ولعل هذا ما يفسر تأخر إدراج مشروع القانون على جدول الأعمال، رغم أن الحكومة أيدته، وأن أكثرية النواب قد وقعوا على اقتراح مماثل سابقاً. فالتوازنات السياسية الداخلية غالباً ما تتحكم في سرعة اتخاذ القرارات البرلمانية، ويظهر هذا بوضوح في ملف المغتربين، الذي أصبح اختباراً لقدرة البرلمان على احترام الحقوق الدستورية، وضمان تطبيق القوانين الانتخابية بما يتماشى مع المهل الزمنية المحددة.
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن مصير مشروع قانون انتخابات المغتربين مرتبط بعدة عوامل مترابطة: إرادة رئيس البرلمان، التحالفات السياسية الداخلية، الموقف الطائفي للأحزاب الكبرى، والإطار القانوني والدستوري الذي يسمح بالمرونة في تمرير القوانين أو إحالتها إلى اللجان. ومن ثم، فإن أي تقدم في هذا الملف يحتاج إلى توافق سياسي واسع، وإدارة دقيقة للوقت، خصوصاً أن التأخير قد يحرم المغتربين من حقهم الطبيعي في التصويت، ويزيد من حدة التوترات بين القوى السياسية داخل البرلمان وخارجه.
صراع التوازنات السياسية والطائفية
يبقى التساؤل الأبرز حول ما إذا كان رئيس المجلس سيختار المسار المباشر لإدراج القانون على جدول الأعمال، بما يضمن حقوق المغتربين، أم سيستفيد من صلاحياته لإحالته إلى اللجان، وهو ما قد يؤدي إلى تأجيل حسم المسألة إلى ما بعد انتهاء المهل القانونية، وبالتالي فتح الباب أمام مزيد من المناورات السياسية، وترك ملف المغتربين عالقا بين السلطة التنفيذية والتشريعية، في ظل انقسام واضح حول التمثيل الطائفي والمصالح الإقليمية.
هذا السياق يوضح أن ملف انتخابات المغتربين ليس مجرد مسألة تقنية أو قانونية، بل هو جزء من الصراع الأوسع حول التوازنات السياسية والطائفية في لبنان، حيث تُقاس كل خطوة تشريعية بإمكانيتها على تغيير موازين القوى، وتأثيرها على المشاركة الديمقراطية والمصالح الطائفية في آن واحد. وبناء على ذلك، فإن أي قرار بشأن هذا القانون سيكون له انعكاسات مباشرة على المشهد الانتخابي، وعلى العلاقة بين البرلمان والحكومة، فضلاً عن التأثير على مصداقية النظام الديمقراطي اللبناني في ضمان حقوق المغتربين اللبنانيين في الخارج.






