لم تكن الجنازة الرسمية للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مجرد مناسبة لتشييع شخصية قادت الجمهورية الإسلامية لعقود، بل تحولت إلى حدث سياسي بامتياز، أرادت من خلاله طهران توجيه رسائل متعددة إلى الداخل والخارج في آن واحد. فمنذ ساعات الفجر الأولى، توافد مئات الآلاف إلى مجمع “المصلى” في العاصمة الإيرانية، بينما ارتفعت هتافات تدعو إلى “الانتقام”، في مشهد بدا أقرب إلى استعراض للقوة والتماسك منه إلى مراسم جنائزية تقليدية.
وتأتي هذه الجنازة في توقيت بالغ الحساسية، بعد حرب غير مسبوقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي منح الحدث أبعادًا تتجاوز الطابع الديني أو الشعبي، ليصبح جزءًا من معركة السردية السياسية التي يسعى النظام الإيراني إلى ترسيخها بعد أشهر من التوترات العسكرية والضغوط الدولية.
الجنازة بوصفها أداة لإعادة إنتاج الشرعية
لطالما اعتمدت الأنظمة السياسية على المناسبات الجماهيرية الكبرى لإظهار تماسكها في لحظات التحول، ولا تبدو إيران استثناءً من هذه القاعدة. فالحشود التي امتلأت بها شوارع طهران لا تخاطب الإيرانيين وحدهم، بل تستهدف أيضًا العواصم الغربية والإقليمية التي تراقب عن كثب مستقبل النظام بعد رحيل الشخصية الأكثر تأثيرًا في الجمهورية الإسلامية.
ومن هذا المنطلق، يسعى النظام إلى تقديم صورة مفادها أن انتقال القيادة لن يؤدي إلى فراغ سياسي أو أمني، وأن مؤسسات الدولة لا تزال قادرة على الحشد والتنظيم والحفاظ على تماسكها، رغم العقوبات الاقتصادية والتحديات الداخلية التي واجهتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
لماذا يتكرر خطاب “الانتقام”؟
أكثر ما لفت الانتباه خلال مراسم التشييع لم يكن حجم الحضور فقط، بل طبيعة الشعارات التي رددها المشاركون، وفي مقدمتها الدعوات إلى الانتقام. ويعكس هذا الخطاب استمرار العقيدة السياسية التي تبناها النظام الإيراني طوال العقود الماضية، والقائمة على أن الرد على الخصوم جزء من معادلة الردع وحماية الأمن القومي.
غير أن هذا الخطاب لا يعني بالضرورة أن طهران تتجه نحو مواجهة عسكرية مباشرة. فالتجربة الإيرانية تشير إلى أن القيادة غالبًا ما تميز بين الخطاب التعبوي الموجه للجمهور، وبين القرارات الاستراتيجية التي تُبنى على حسابات دقيقة تتعلق بموازين القوى وتكاليف التصعيد واحتمالات اندلاع حرب واسعة لا تخدم مصالحها.
ولهذا يرى عدد من الباحثين أن رفع شعار “الانتقام” خلال الجنازة يهدف، في المقام الأول، إلى طمأنة القاعدة الشعبية بأن سياسة المواجهة لن تتغير، مع ترك الباب مفتوحًا أمام خيارات متعددة قد تتراوح بين الرد غير المباشر والضغوط السياسية والتحركات الدبلوماسية.
رسائل موجهة إلى واشنطن وتل أبيب
لم يكن اختيار هذا الزخم الجماهيري مصادفة، إذ تدرك القيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتابعان كل تفصيل يتعلق بمرحلة ما بعد خامنئي، سواء من حيث حجم المشاركة الشعبية أو طبيعة الخطاب الرسمي أو شكل الاصطفاف داخل مؤسسات الدولة.
وتحاول طهران أن توصل رسالة واضحة مفادها أن الضربات العسكرية الأخيرة لم تؤد إلى إضعاف النظام أو تفكيك بنيته السياسية، بل زادت من تماسك مؤسساته. وفي المقابل، تدرك العواصم الغربية أن مثل هذه المناسبات قد تعكس صورة مدروسة بعناية، وهو ما يجعلها تركز أكثر على ما سيلي الجنازة، لا على المشهد الجماهيري نفسه.
انتقال السلطة… الاختبار الحقيقي
بعيدًا عن رمزية الجنازة، يبقى التحدي الأكبر أمام إيران هو إدارة مرحلة ما بعد خامنئي. فالمرشد الأعلى لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان المرجعية العليا التي تحتكم إليها مؤسسات الدولة في القضايا الأمنية والعسكرية والنووية والخارجية. وبالتالي، فإن نجاح عملية انتقال السلطة سيكون العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل الجمهورية الإسلامية.
كما أن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت القيادة الجديدة ستواصل النهج نفسه الذي اتبعه خامنئي، أم أنها ستتبنى مقاربة أكثر براغماتية في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها البلاد واستمرار العقوبات الغربية.
بين الرمزية والحسابات الاستراتيجية
تكشف جنازة علي خامنئي أن إيران لا تنظر إلى مثل هذه المناسبات باعتبارها طقسًا دينيًا أو شعبيًا فحسب، بل توظفها أيضًا كوسيلة لإعادة رسم صورتها السياسية في لحظة مفصلية من تاريخها. فالحشود، والخطابات، والإجراءات الأمنية المشددة، جميعها عناصر في مشهد أراد النظام من خلاله أن يبعث برسالة مفادها أن الجمهورية الإسلامية ما تزال قادرة على فرض حضورها داخليًا وإقليميًا.
ومع ذلك، فإن مستقبل هذه الرسائل سيظل مرهونًا بما ستكشفه الأسابيع المقبلة. فإذا كانت الجنازة قد نجحت في إظهار وحدة الصف خلال لحظة الوداع، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء المراسم، عندما تجد القيادة الجديدة نفسها أمام استحقاقات داخلية معقدة، وبيئة إقليمية لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد والتفاوض في آن واحد.






