في قلب الأغوار الشمالية، وعلى مدى ثلاثة عقود من الحياة المستقرة، عاش الفلسطيني نايف زواهرة وعائلته متنقلين بين الجبال والمراعي، يمارسون الرعي ويعتنون بماشيته بعيدًا عن أي تهديد مباشر، لكن خلال العامين الأخيرين، تغيرت الحياة رأسًا على عقب.
بدأت الاعتداءات المتكررة من المستعمرين، المدعومة أحيانًا بالجيش الإسرائيلي، تقوّض أسس الحياة الفلسطينية في المنطقة. من مصادرة المراعي إلى الهجمات الليلية على الخيام، ومن إشعال الحرائق إلى اقتلاع الأشجار، شهد الفلسطينيون عملية تهجير قسري ممنهج يُعيد سيناريو النكبة إلى حاضرهم.
تغيير الجغرافيا والسيادة الفلسطينية
هذه الانتهاكات ليست مجرد أعمال فردية، بل تشكل جزءًا من سياسة استيطانية رسمية تهدف إلى فرض سيطرة كاملة على الأراضي الفلسطينية، وتهجير سكانها الأصليين، وفرض وقائع جديدة تغيّر الجغرافيا والسيادة الفلسطينية، في هذا السياق، تبرز تجربة عائلة زواهرة نموذجًا حيًا لمعاناة الفلسطينيين في مواجهة إرهاب المستعمرين واستهداف الأرض والإنسان معًا.
في عام 1997 قدم نايف زواهرة إلى منطقة البرج بالأغوار الشمالية، بعدما مكث مدة من الزمن في أم الجمال القريبة. كان زواهرة في الثانية والعشرين من عمره، وفي ذلك العام دخل القفص الذهبي ليؤسس لمرحلة جديدة وملهمة في حياته.
أمضى الرجل ثلاثة عقود إلا قليلًا (29 عامًا) متنقّلًا بين الجبال القريبة والبعيدة عن خيامه، يرعى ماشيته دون أن يواجه خطرًا يحول دون ممارسة مهنته. لكن في العامين الماضيين حدث تغيرا كبيرا قلب المنطقة كلها رأسا على عقب، أدخل الرجل وباقي العائلات في دوامة يبدو أنها لن تنتهي قريباً.
بدأ الاستعمار الرعوي كبؤر وحظائر للماشية على قمم الجبال، ثم بدأ بالتوسّع تدريجيا من الاستيلاء على المراعي، فإجبار الرعاة على تركها بالقوة، ثم الهجمات المتتالية على المواطنين في خيامهم. يقول زواهرة: “بدأنا نواجه المستعمرين منذ عام 2018 لكن كانت الأمور طبيعية”. أحضر مستعمرون في تلك السنة قطيع بقر وأبقوه في الحظيرة، ثم بدأت الأمور تزداد سوءاً بعدها. حسب وكالة وفا.
هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟
يواجه الفلسطينيون في الشريط الشرقي لمحافظة طوباس مصيرا واحداً ومتشابها. في الشهر الحالي، أجبرت اعتداءات المستعمرين بحق المواطنين حوالي عشرين عائلة على ترك مساكنها في تجمعي البرج والميتة.
كان زواهرة من الذين هجّروا من البرج باتجاه منطقة تسمى صافح تياسير شمال شرق طوباس. تعيش العائلات الفلسطينية التي أجبرت على ترك مساكنها في الأغوار الشمالية، شعور الفقد بشكل واضح. واقفا أمام خيمته التي نصبها قبل أيام، قال زواهرة: “تركنا وراءنا أرضنا، خيامنا وكل شيء وراءنا. ثلاثة أجيال خرجت من الأغوار الشمالية (..)، أنا وأولادي وأحفادي”. حسب زواهرة.
لكن نجله محمد كان في ذلك النهار، قد استطاع الوصول بحذر شديد مرة أخرى إلى مكان سكنه لجلب بعض الحاجيات الأساسية للمعيشة. ومع تسجيل استمرار هجرة العائلات من أماكن سكناها إلى مناطق أخرى، يمكن طرح هذا السؤال: “هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!”. لمعرفة الجواب، بحاجة لشهادة واحدة على الأقل لمن هجرت عائلته عام 1948.
تقول يسرى محاميد من مخيم الفارعة للاجئين، إحدى اللواتي شهدن النكبة بكل تفاصيلها، إن الزمن يعيد نفسه. كانت “الكفرين” وهي قرية قريبة من أم الفحم، وقد هجّرت منها محاميد مليئة بينابيع المياه، ولذلك كانت جميلة لانتشار البساتين المزروعة بأصناف مختلفة من المحاصيل.
أضافت: “عندما خرجنا من القرية ظننا أنها مدة قصيرة وسنعود.. لم نأخذ إلا الأشياء الثمينة معنا”. لكن يبدو أن زواهرة لديه انطباعاً مغايراً تماما، عندما قال لمراسل “وفا”، سنلاقي مصير أجدادنا الذين هجّروا في النكبة، لكن لن نأمل بالعودة قريباً”.
فرض السيادة الإسرائيلية
إن ما يزيد هذا الاحتمال المشؤوم لدى الرجل هي دلالات تحدث على أرض الواقع. فالحديث الرسمي لدى بعض الوزراء المتطرفين في حكومة الاحتلال عن فرض “السيادة الإسرائيلية” على الأغوار، ومناطق أخرى في الضفة الغربية مؤشر قوي لذلك. في اليوم الذي هُجرت فيه عائلة محاميد كانت يسرى حسب روايتها مع طفلة أخرى تملآن جرتي فخار بالماء من إحدى الينابيع، وفي طريق عودتهما لاقتا العائلات قد بدأت بالنزوح فعلا. سبق ذلك اليوم هجمات للعصابات اليهودية على قرى قريبة من الكفرين.
لاقى زواهرة حالا أشد قسوة من ذلك الحال عندما وصل به أن يلاحقه إرهاب المستعمرين حتى وسط خيامه، حتى أجبر على ترك مسكنه والرحيل إلى منطقة قرب طوباس. لكن، هل انتهت قصة زواهرة مع المستعمرين؟!. الإجابة لا. يقول الرجل أنه في نفس اليوم الذي بدأ بنصب خيامه في المكان الجديد كان المستعمرون ذاتهم يراقبونه عن قرب. ويضيف: “يبدو أننا لن ننعم كثيراً بليالي هادئة”. ثم أشار بيده شمالاً وقال هناك على رأس الجبل بؤرة استعمارية.
إرهاب المستعمرين
ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها السنوي لعام 2025، ما مجموعه 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.
وتظهر المعطيات أن جيش الاحتلال كان الفاعل الرئيسي في هذه الانتهاكات بتنفيذه 18384 اعتداءً، فيما نفذ المستعمرون 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً عن “سيطرة الدولة”، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.
تقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية
في واقع باتت فيه سلطات الاحتلال تفرض سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المسماة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، لم تعد الأرقام توصيفاً محايداً للواقع، بل دليلاً مادياً على مشروع سياسي استعماري يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وعلى صعيد إرهاب المستعمرين، أسفرت الاعتداءات خلال العام 2025 عن استشهاد 14 مواطناً فلسطينياً، إلى جانب إشعال 434 حريقاً متعمداً في ممتلكات وحقول المواطنين، منها 307 حرائق في ممتلكات خاصة و127 حريقاً في أراضٍ زراعية، تركّز معظمها في محافظات رام الله ونابلس والخليل وطولكرم. كما وثّقت الهيئة 892 اعتداءً أدت إلى اقتلاع وتخريب وتسميم 35273 شجرة، من بينها 26988 شجرة زيتون، في استهداف مباشر للبعد الاقتصادي والرمزي للأرض الفلسطينية.




