من جديد، يجد الساحل السوري نفسه في قلب العاصفة، وهذه المرة ليس بسبب معارك الجبهات أو تحركات الفصائل المسلحة، بل نتيجة تحقيق رسمي كشف عن واحدة من أبشع موجات العنف الطائفي التي عرفتها البلاد منذ سنوات. ففي مؤتمر صحفي استثنائي عُقد بدمشق، أعلنت لجنة التحقيق الوطنية توصلها إلى نتائج أولية “صادمة”، تتعلق بانتهاكات جسيمة طاولت المدنيين، وتحديدًا أبناء الطائفة العلوية، في أحداث جرت مطلع مارس الماضي، وراح ضحيتها أكثر من 1400 قتيل، معظمهم من المدنيين.
التحقيق الذي توصل إلى تحديد هوية 298 شخصًا “بأسمائهم الصريحة” كمشتبه بتورطهم في أعمال القتل والسلب والحرق والتعذيب، يعيد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في مناطق من المفترض أنها باتت “تحت سيطرة الدولة”، ويطرح تساؤلات حقيقية حول بُنية الصراع السوري المتشظي، وحدود السلطة في احتواء الاحتقان الطائفي، حتى بعد انهيار خطوط القتال التقليدية.
وبحسب المتحدث باسم اللجنة، ياسر الفرحان، فإن الانتهاكات جرت خلال ثلاثة أيام فقط، وشملت عمليات قتل قصد، وسلب ممتلكات، وتخريب منازل، بالإضافة إلى اعتداءات لفظية ذات طابع طائفي، في مشهد يعيد إلى الأذهان الجرائم التي كانت تُرتكب في ذروة الحرب الأهلية، لا سيما في المناطق المختلطة دينيًا وطائفيًا. ووفقًا للفرحان، فإن عدد الضحايا المؤكدين بلغ 1426 قتيلاً، بينهم 90 امرأة، معظمهم من الطائفة العلوية.
غير أن ما يزيد الصورة قتامة، هو أن المنطقة التي شهدت هذه الأحداث لم تكن تحت سيطرة جماعات معارضة أو تنظيمات متطرفة، بل جرت فيها المواجهات بين مسلحين محسوبين على النظام السابق وقوات النظام الحالي، ما يفتح الباب على قراءات متعددة حول صراع داخل الموالاة نفسها، وصدامات قد تكون ذات طابع انتقامي أو مرتبطة بإعادة تشكيل موازين النفوذ المحلي في الساحل.
تقرير اللجنة يتقاطع مع معلومات أوردها “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي تحدث بدوره عن مجازر وعمليات إعدام ميدانية ارتكبتها القوات النظامية ومجموعات رديفة عقب إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة. وقدّر المرصد عدد القتلى في الأحداث بنحو 1700 مدني، في أرقام تزيد عمّا أعلنه التقرير الرسمي، لكنها تشير إلى أن نطاق العنف كان أوسع مما يمكن اختزاله بلائحة أسماء.
وفي قلب هذه الوقائع، تكمن واحدة من أعقد أزمات ما بعد الصراع في سوريا: غياب العدالة الانتقالية، وتعدد مراكز القوى، وافتقار الدولة إلى قدرة مركزية تفرض سيادتها بشكل موحد. إذ لم تعد الانتهاكات تُرتكب فقط في مناطق خارجة عن السيطرة، بل بدأت تظهر داخل مناطق يُفترض أنها “آمنة”، ما ينسف مفهوم الأمن التقليدي، ويجعل من أي استقرار حالي مجرد قشرة هشة قابلة للانفجار.
الطابع الطائفي الذي وُصفت به هذه الهجمات يُعيد إلى الواجهة المخاوف من عودة الخطاب المذهبي كمحرك للصراع الداخلي. فبحسب منظمات حقوقية، شملت الاعتداءات استهدافًا مباشرًا لهوية الضحية، حيث جرت عمليات اقتحام سُئل فيها السكان إن كانوا علويين أو سنة قبل اتخاذ قرار قتلهم أو تركهم، وهو مؤشر خطير على أن منطق “الهوية القاتلة” لا يزال متجذرًا في بنية النزاع السوري، حتى بعد انحسار العمليات العسكرية الكبرى.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو محاسبة الجناة خطوة ضرورية لكنها غير كافية. فالأهم من ذلك هو الاعتراف بأن الصراع السوري لم يطوِ صفحته بعد، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال أكثر خطورة، وعلى أسس انتقامية محلية قد تكون مقدمة لاقتتال داخلي جديد، خاصة إذا ما تداخلت مع حسابات النفوذ الإقليمي.
التقرير يطرح سؤالًا أكبر: هل يمكن لسوريا أن تخرج من دائرة العنف إن لم تواجه ماضيها بجرأة، وتُخضع جميع مرتكبي الانتهاكات للمساءلة، بعيدًا عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية؟ الأرجح أن الطريق إلى السلام لن يمر عبر المؤتمرات الصحفية، بل عبر مسار طويل من العدالة والمصالحة، يضمن للضحايا – من أي طائفة كانوا – أن دماءهم لن تضيع، وأن المأساة لن تتكرر.







