في تطور دبلوماسي نادر قد يعيد خلط أوراق الملف السوري، كشفت وكالة فرانس برس عن اجتماع وزاري سيُعقد يوم الخميس في العاصمة الأذربيجانية باكو، بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره الإسرائيلي، وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، في لقاء يعد الأول من نوعه على هذا المستوى منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.
ونقلت الوكالة عن مصدر دبلوماسي مطّلع أن المحادثات ستركز بشكل أساسي على الوضع الأمني في الجنوب السوري، وتحديدًا محافظة السويداء التي تشهد منذ أشهر توترات غير مسبوقة، وسط تنامي نفوذ الجماعات المسلحة وتراجع قبضة الدولة على بعض المناطق الحيوية.
الاجتماع، الذي يُتوقع أن يُعقد على هامش منتدى إقليمي غير معلن، يأتي بعد زيارة رسمية سيقوم بها الشيباني إلى موسكو في اليوم نفسه، ما يعكس تنسيقًا ثلاثيًا غير مباشر بين دمشق وتل أبيب عبر قنوات روسية وأميركية، بحسب مصادر مطّلعة على مسار المحادثات.
لقاء سابق في باريس يُمهّد الطريق
مصادر دبلوماسية سورية كانت قد كشفت الأسبوع الماضي عن اجتماع تمهيدي غير معلن جرى في باريس، ضمّ وفدًا رسميًا سوريًا يضم مسؤولين من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات، إلى جانب وفد إسرائيلي، بوساطة أميركية نشطة، وبمشاركة مراقبين من الاتحاد الأوروبي.
ووفق ما نقلته تلك المصادر لوسائل إعلام عربية ودولية، فإن اللقاء تمحور حول سبل نزع فتيل التصعيد في الجنوب السوري، لا سيما في ظل تقارير استخباراتية تتحدث عن تحركات ميدانية متزايدة لكل من “حزب الله” و”الميليشيات الإيرانية” في درعا والسويداء، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
مواقف معلنة وخطوط حمراء
الوفد السوري، بحسب ذات المصدر، شدد خلال الاجتماع على ثوابت السياسة السورية، وعلى رأسها رفض أي مساس بوحدة وسلامة الأراضي السورية، مؤكدًا أن هذا المبدأ “غير قابل للتفاوض” بأي حال من الأحوال، وأن دمشق منفتحة على التهدئة “طالما لم تمس السيادة الوطنية”.
أما الجانب الإسرائيلي، فقد عبّر عن قلق متزايد من تزايد النفوذ الإيراني قرب الجولان المحتل، وطالب بضمانات أمنية تحول دون أي تموضع عسكري جديد يهدد استقرار المناطق الحدودية. ووفق ما تسرّب من كواليس الاجتماع، فإن إسرائيل لا تمانع انخراطًا محدودًا في مسار تفاوضي غير رسمي، طالما أنه يخدم تهدئة الجبهة الجنوبية ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.
واشنطن تراقب وتضغط
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، صرّح يوم الجمعة الماضي أن بلاده “ترحب بأي جهود تخفف من التوتر في الجنوب السوري”، مشيرًا إلى أن اللقاءات التي جرت حتى الآن “تشكل خطوة أولى في طريق طويل، لكنه ضروري”، على حد وصفه.
ورجّحت مصادر غربية أن يكون للولايات المتحدة دور أكثر فاعلية في الدفع نحو صيغة تفاهم مرحلية، قد تشمل ترتيبات أمنية مشتركة، أو حتى تفاهمات لوقف النار بضمانات دولية، في حال استمرت اللقاءات وحققت تقدماً ملموسًا.
انعكاسات إقليمية واحتمالات مفتوحة
اللقاء المرتقب في باكو، وإن لم يُعلن رسميًا من الجانبين بعد، يعكس تحولات صامتة في مقاربة الأطراف الإقليمية لملف الأزمة السورية، في ظل تراجع الزخم الدولي، وتقدّم الأولويات الأمنية على الشعارات السياسية التقليدية.
وبينما يرى مراقبون أن أي تقارب سوري-إسرائيلي سيبقى محدودًا في إطاره الأمني، لا يُستبعد أن يُمهد لاحقًا لتفاهمات أوسع، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، وازدياد الضغط الروسي على دمشق للبحث عن حلول توقف النزيف المستمر في الجنوب وتُبقي الدولة متماسكة في مواجهة سيناريوهات التقسيم.







