دخل دونالد ترامب البيت الأبيض رافعاً شعار إنهاء “الحروب التي لا تنتهي”، ومهاجماً ما اعتبره مغامرات عسكرية مكلفة أرهقت الولايات المتحدة. لكن قراره شن عملية عسكرية واسعة ضد إيران يعيد طرح سؤال قديم في السياسة الأميركية: هل يتقدم منطق الردع المحدود، أم أن إغراء تغيير الأنظمة يعود إلى الواجهة؟
العملية التي حملت اسم “الغضب الملحمي” قُدمت بوصفها إجراءً دفاعياً يهدف إلى إزالة “تهديدات وشيكة” يشكلها النظام الإيراني. غير أن الإدارة لم تقدّم حتى الآن تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذا التهديد أو مدى إلحاحه، ما فتح الباب أمام نقاش سياسي وقانوني داخل الولايات المتحدة حول حدود استخدام القوة.
بين خطاب الحملة وواقع القرار
ترامب بنى جزءاً مهماً من قاعدته الشعبية على رفض التدخلات الخارجية الواسعة. غير أن الأشهر الماضية شهدت تصعيداً تدريجياً في استخدام القوة العسكرية خارجياً.
منتقدوه يرون أن الخطاب تغير من شعار “أميركا أولاً” بمعناه الانعزالي، إلى “أميركا أولاً” بمعناه القائم على فرض الهيمنة بالقوة عند الحاجة. هذا التحول لا يتعلق بإيران فقط، بل بمسار أوسع في السياسة الخارجية.
أهداف غير محسومة
السؤال المركزي الذي يطرحه المراقبون هو: ما الهدف النهائي؟
هل تسعى واشنطن إلى توجيه ضربة محدودة لإعادة ترميم الردع، أم أن العملية تمهد لرهان أكبر على إضعاف النظام الإيراني داخلياً؟
حتى الآن، تبدو الرسائل الرسمية مزدوجة: الحديث عن الدفاع ومنع التهديدات، بالتوازي مع إشارات إلى دعم “الشعب الإيراني” في مواجهة قيادته. هذا التداخل بين الردع العسكري والرهان السياسي على الداخل الإيراني يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تكن نتائجها مستقرة.
ميزان المخاطر الإقليمية
إيران ليست خصماً هامشياً في المنطقة. فرغم الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية، ما تزال تمتلك أدوات ردع متعددة، من قدراتها الصاروخية إلى شبكة نفوذ إقليمي.
أي تصعيد مباشر قد يعرّض القوات الأميركية في الشرق الأوسط، فضلاً عن حلفاء واشنطن، لمخاطر انتقامية. كما أن اتساع رقعة المواجهة قد يرفع كلفة الصراع إلى مستوى يتجاوز الحسابات الأولية.
البعد القانوني والسياسي
داخل الولايات المتحدة، يثير القرار نقاشاً حول صلاحيات الحرب. الدستور يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، بينما تعتمد الإدارات المتعاقبة على تفسيرات موسعة لصلاحيات الرئيس بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة.
الجدل هنا لا يتعلق فقط بإيران، بل بسابقة سياسية قد تعيد تعريف حدود السلطة التنفيذية في قضايا الحرب والسلم.
ضربة ردع أم بداية مسار مفتوح؟
المسألة لا تتعلق بعملية عسكرية بحد ذاتها، بل بالمسار الذي قد تفتحه. فإذا كانت الضربة تهدف إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك، فقد تبقى محدودة زمنياً. أما إذا تحولت إلى محاولة لإضعاف النظام الإيراني أو دفعه نحو تغيير داخلي، فإن الولايات المتحدة ستكون أمام صراع مفتوح الأفق.
التاريخ الحديث يُظهر أن تغيير الأنظمة بالقوة نادراً ما يسير وفق الخطة الأصلية. ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة تكتيكاً ظرفياً في معادلة الردع، أم تحوّلاً استراتيجياً يعيد واشنطن إلى منطق المغامرات الطويلة التي وعد ترامب ذات يوم بإنهائها؟






