في تطور لافت يعكس حجم التوترات المتراكمة، استضافت العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة جديدة من المحادثات بين كبار المسؤولين في الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لاحتواء صراع متصاعد ألقى بظلاله على استقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
وتأتي هذه المفاوضات في ظل أجواء مشحونة، حيث لا تزال تداعيات المواجهات الأخيرة حاضرة بقوة، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو اضطراب أسواق الطاقة، ما يضع ضغوطًا دولية متزايدة على الطرفين للوصول إلى تسوية، ولو مرحلية.
لبنان في قلب المساومات السياسية
تتصدر الأزمة في لبنان قائمة القضايا الأكثر تعقيدًا على طاولة التفاوض، إذ تربط طهران بشكل واضح بين أي تقدم في المحادثات ووقف إطلاق النار هناك. وتؤكد إيران أن التصعيد العسكري، خاصة الضربات الإسرائيلية ضد “حزب الله”، لا يمكن فصله عن مسار التفاوض مع واشنطن.
في المقابل، ترفض الولايات المتحدة وإسرائيل إدراج الملف اللبناني ضمن اتفاق ثنائي محتمل، معتبرتين أن العمليات العسكرية في لبنان شأن منفصل، وهو ما يعكس فجوة عميقة في الرؤى قد تعرقل أي اختراق سريع.
ويشكل ملف العقوبات محورًا رئيسيًا في المفاوضات، حيث تطالب إيران برفع شامل للإجراءات الاقتصادية التي أرهقت اقتصادها لسنوات، بما في ذلك الإفراج عن الأصول المجمدة في الخارج.
أما واشنطن، فتتعامل مع هذا الملف بمنطق “المقابل”، إذ تطرح تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات مشروطًا بتنازلات إيرانية واضحة، خصوصًا فيما يتعلق بالبرنامج النووي والأنشطة الصاروخية، ما يفتح الباب أمام مفاوضات شاقة حول آليات التحقق والالتزام.
مضيق هرمز.. صراع السيادة
يبرز مضيق هرمز كواحد من أكثر الملفات حساسية، في ظل سعي إيران لتعزيز سيطرتها عليه، بما يشمل فرض رسوم على مرور السفن، وهو ما تعتبره تحولًا استراتيجيًا في موازين القوى الإقليمية.
في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بمبدأ حرية الملاحة الدولية، وترفض أي قيود قد تؤثر على تدفق النفط والتجارة العالمية، ما يجعل هذا الملف مرشحًا ليكون نقطة اشتباك رئيسية خلال المفاوضات.
ومن بين المطالب الإيرانية المطروحة، مسألة التعويض عن الأضرار التي لحقت بها جراء الحرب الأخيرة، وهي نقطة لم تلقَ حتى الآن ردًا واضحًا من الجانب الأميركي، ما يعكس حساسية هذا الملف وتعقيداته القانونية والسياسية.
البرنامج النووي.. الخط الأحمر
ويبقى البرنامج النووي الإيراني في صلب الخلاف، حيث تصر طهران على حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، بينما ترفض واشنطن هذا الطرح بشكل قاطع، معتبرة أن أي مستوى من التخصيب يمثل تهديدًا محتملاً.
ويعزز هذا الموقف تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شدد على أن هذا الملف “غير قابل للتفاوض”، ما يضيق هامش المناورة أمام الوسطاء.
الصواريخ الباليستية.. معضلة الردع
وتطالب الولايات المتحدة، بدعم من إسرائيل، بتقليص كبير في القدرات الصاروخية الإيرانية، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في معادلة التهديد الإقليمي.
لكن طهران ترفض بشكل قاطع إدراج هذا الملف ضمن المفاوضات، مؤكدة أن ترسانتها الدفاعية تمثل “خط دفاع سيادي” لا يمكن التنازل عنه، ما يزيد من تعقيد مسار التفاوض.
وضمن مطالبها، تدعو إيران إلى انسحاب القوات الأميركية من المنطقة ووقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، إلى جانب تقديم ضمانات بعدم الاعتداء مستقبلاً.
في المقابل، تتمسك واشنطن بالإبقاء على وجودها العسكري كأداة ضغط، مع تحذيرات صريحة من تصعيد أكبر في حال فشل المفاوضات، وهو ما يعكس تباينًا حادًا في الرؤى الأمنية.
مفاوضات تحت اختبار الثقة
وتكشف مجمل القضايا المطروحة عن فجوة واسعة بين مواقف الطرفين، حيث تتمسك كل جهة بشروط تعتبرها “خطوطًا حمراء”، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل في المدى القريب محدودة.
ومع ذلك، تظل هذه محادثات إسلام آباد اختبارًا حقيقيًا لإمكانية بناء أرضية مشتركة، ولو جزئية، في ظل إدراك متبادل بأن استمرار التصعيد قد يقود إلى تداعيات أكثر خطورة على المستويين الإقليمي والدولي.




