جاء خطاب حالة الاتحاد للرئيس دونالد ترامب مختلفًا هذه المرة ليس بحدة المواجهة أو ثقل القرارات، بل بما تعمّد تجنّبه. فقد بدا الرئيس حريصًا على الابتعاد عن الصدامات التي اعتاد إشعالها، سواء مع المحكمة العليا أو مع خصومه داخل حزبه، كما التزم بالنصّ المُعدّ مسبقًا وتجنّب الخروج عن الموضوع بنبرة غضب أو استعراض استفزازي. هذا الانضباط، غير المألوف في خطابات ترامب، عكس رغبة واضحة في تفادي فتح جبهات جديدة في لحظة سياسية حساسة.
ملفات غائبة عن الخطاب
رغم طول الخطاب، غابت عنه قضايا داخلية ضاغطة تشكّل محور اهتمام الناخبين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. لم يطرح الرئيس أفكارًا جديدة بشأن الإسكان أو الرعاية الصحية، وهما ملفان يضغطان على شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة. كما تجنّب الخوض في الفضائح التي تشغل الرأي العام في واشنطن، وابتعد عن توضيح ملامح سياسته تجاه إيران، على الرغم من التصعيد العسكري المتزايد في المنطقة. هذا الغياب لم يمرّ من دون ملاحظة لدى المراقبين، الذين رأوا في الخطاب محاولة لإدارة المخاطر السياسية بدل تقديم رؤية سياساتية جديدة.
خطاب لا يغيّر المسار
بالنسبة لكثيرين داخل الحزب الجمهوري، لم يكن الخطاب لحظة انعطاف في مسار الولاية الثانية بقدر ما كان استعراضًا مألوفًا لأسلوب ترامب الخطابي اليومي، سواء في المكتب البيضاوي أو في تنقلاته الإعلامية. الرسالة الأساسية بدت أقرب إلى تثبيت الوضع القائم من دون إدخال عناصر قد تربك المعادلة السياسية الداخلية. هذا الطابع “الآمن” قد يُريح قيادات حزبية اعتادت القلق من قدرة الرئيس على إيذاء نفسه سياسيًا عبر اندفاعاته، لكنه لا يعالج في الوقت ذاته المعضلات التي تواجه الحزب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
حسابات الجمهوريين قبل التجديد النصفي
يأتي الخطاب في وقت لا تصب فيه المؤشرات الانتخابية في مصلحة الجمهوريين. فالرئيس يجد نفسه في موقف دفاعي في ملفات الاقتصاد والتضخم والهجرة، وهي قضايا تُحرّك المزاج الانتخابي حتى الآن. داخل أوساط الحزب، برز انقسام غير معلن بين من رأى في الخطاب أداءً “وطنيًا” يلامس العاطفة العامة، ومن اعتبره فرصة ضائعة لتقديم خطة سياسية واضحة تساعد المرشحين الجمهوريين على تحسين موقعهم في سباق التجديد النصفي. هذا التباين يعكس قلقًا من أن الحماسة الخطابية وحدها لا تكفي لترجمة مكاسب انتخابية ملموسة.
تعبئة القاعدة بدل توسيع الدائرة
في المقابل، رأى تيار آخر داخل معسكر ترامب أن الرئيس فعل ما يتقنه: شدّ عصب القاعدة الانتخابية عبر مهاجمة الديمقراطيين وتحميل الإدارة السابقة مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية، والتشدد في ملف الهجرة. هذا الخيار يعكس رهانًا على تعبئة الأنصار المخلصين بدل السعي إلى كسب الناخبين المترددين، في قناعة لدى بعض مستشاريه بأن توسيع الدائرة أثبت فشله في محطات انتخابية سابقة. بهذا المعنى، لم يكن الخطاب موجّهًا إلى خصومه بقدر ما كان رسالة تعبئة للقاعدة التي يرى فيها ركيزة صموده السياسي.
أسلوب ترامب حاضر… بنبرة أخف
حمل الخطاب السمات المعهودة لأسلوب ترامب، من المبالغة في سرد الإنجازات إلى القصص ذات الطابع الشعبوي، واللغة التي تُضخّم الأرقام والنتائج. تحدث الرئيس عن حروب قال إنه أوقفها، وعن أسعار ساهم في خفضها، وعن استثمارات أجنبية ضخمة جلبتها سياساته التجارية. غير أن اللافت كان حضور قدر من ضبط النفس في الأداء، إذ تجنّب فتح ملفات خارجية شائكة كانت قد سببت توترات دولية في الأسابيع الماضية، ولم يُفرط في التصعيد اللفظي رغم تحطيمه الرقم القياسي لأطول خطاب حالة اتحاد.
السياسة الخارجية في الهامش
على غير المتوقع، لم تحتل السياسة الخارجية مساحة مركزية في الخطاب، على الرغم من ثقلها على أجندة الإدارة. تجاهل الرئيس ملفات سببت اضطرابات دبلوماسية مؤخرًا، وفضّل الاكتفاء بإشارات عامة. هذا الاختيار عكس إدراكًا لحساسية المرحلة دوليًا، ورغبة في عدم استثارة جدل خارجي قد يرتدّ داخليًا في موسم انتخابي محتدم.
خطاب جامع… بلا برنامج واضح
أنهى ترامب خطابه بمحاولة إضفاء طابع جامع وغير حزبي، عبر إبراز قصص إنسانية وتكريم شخصيات من المجتمع المدني والرياضة والمؤسسات العسكرية، في لفتات تهدف إلى تخفيف حدة الاستقطاب وإظهار الرئيس بمظهر “الجامع” لا “المستقطِب”. غير أن هذا الطابع الإيجابي لم يُقنع منتقديه داخل الحزب بأن الخطاب قدّم خريطة طريق واضحة للمستقبل. فبين ضبط النفس وتجنّب الصدام، بدا أن الرئيس اختار السلامة السياسية على حساب طرح رؤية سياساتية قادرة على تغيير المزاج العام أو تحسين موقع الجمهوريين انتخابيًا.
في الخلاصة، عكس خطاب حالة الاتحاد هذا العام براغماتية دفاعية أكثر مما عكس اندفاعة هجومية. كان خطابًا يهدف إلى تفادي الخسائر لا إلى صناعة مكاسب جديدة، وإلى تثبيت الوضع القائم لا إلى إعادة رسم المسار السياسي في ولاية ثانية لا تزال تبحث عن عنوان جامع لما تريد تحقيقه.






