بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 وانتهاء نفوذ إيران في سوريا، تدخل البلاد مرحلة إعادة تشكل سياسي وأمني غير مسبوقة. في هذا السياق، تبرز المحادثات غير المعلنة بين دمشق وتل أبيب، برعاية أميركية وأردنية، كسيناريو قد يعيد رسم حدود اللعبة الإقليمية. السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو توصّلت سوريا وإسرائيل إلى تفاهم أمني؟
الأمن أولاً: عودة المنطقة العازلة
المقترحات السورية تركز على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها مؤخراً في الجنوب، وإعادة العمل بالمنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاق فك الاشتباك لعام 1974. الهدف هو تخفيف الضغط عن الجنوب السوري ووقف الغارات الجوية والتوغلات البرية الإسرائيلية، بما يسمح بتركيز الحكومة الانتقالية على إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة بعد الحرب. لكن أي هدنة من هذا النوع ستظل هشة وقابلة للاهتزاز عند أول خرق ميداني.
مكاسب سياسية مؤقتة
في دمشق، أي اتفاق يُعتبر ورقة سياسية مهمة لإثبات قدرة الدولة الجديدة على حماية سيادتها وفرض حضورها الإقليمي. في المقابل، ستقدمه إسرائيل كإنجاز أمني يُثبت جدوى استراتيجيتها العسكرية. أما واشنطن، فستسعى لتسويق الاتفاق كنجاح دبلوماسي يعيد لها زمام المبادرة في الشرق الأوسط. غير أن غياب ملف الجولان عن الطاولة يعني أن جوهر النزاع سيظل عالقاً، وأن الحديث لا يتجاوز ترتيبات أمنية محدودة.
القضية الفلسطينية: الامتحان الأصعب
رغم تغير موازين القوى داخل سوريا، تبقى القضية الفلسطينية حجر الأساس في أي تقارب عربي–إسرائيلي. تجاهلها في أي اتفاق سيضع الحكومة السورية أمام انتقادات واسعة في الشارع العربي، الذي يرى في فلسطين معيار الشرعية السياسية. بل إن حركات المقاومة الفلسطينية قد تعتبر التفاهم السوري–الإسرائيلي تخلياً عن “قضية العرب المركزية”، ما يهدد بإضعاف صورة سوريا الجديدة كجزء من الصف العربي.
الموقف العربي: بين الترحيب والارتياب
العواصم العربية المنخرطة في مسار التطبيع ستنظر إلى أي تفاهم سوري–إسرائيلي على أنه فرصة لإعادة إدماج دمشق في النظام العربي وتخفيف التوتر الإقليمي. لكن دولاً أخرى، خاصة تلك التي تشدد على ربط أي تقارب بإحياء حل الدولتين، ستتعامل معه بحذر أو حتى بانتقاد. وهكذا تجد سوريا الجديدة نفسها أمام معادلة دقيقة: كسب الاعتراف الدولي عبر التهدئة مع إسرائيل، دون خسارة رصيدها العربي المرتبط تاريخياً بالقضية الفلسطينية.
ما بعد الحرب الطويلة
سوريا الخارجة من عقدين من الحرب لا تبحث فقط عن الأمن، بل عن هوية سياسية جديدة. أي اتفاق مع إسرائيل سيُقرأ على أنه خطوة تكتيكية لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية وفتح باب الدعم الدولي لإعادة الإعمار. لكن إذا لم يُدمج البعد الفلسطيني في المعادلة، فقد يتحول الاتفاق إلى عبء سياسي بدل أن يكون مكسباً استراتيجياً، خصوصاً في ظل انقسام المواقف داخل النظام العربي.
خاتمة: هدنة أم بداية مسار؟
“ماذا لو اتفقت سوريا وإسرائيل؟” الجواب الأقرب أن الاتفاق سيكون هدنة أمنية مؤقتة، لا سلاماً شاملاً. سيمنح دمشق متنفساً، ويعطي واشنطن ورقة سياسية، ويوفر لإسرائيل فرصة تثبيت مكاسبها، لكنه سيبقى ناقصاً ما لم يُقرن بتقدم ملموس في الملف الفلسطيني. وفي النهاية، ستظل القضية الفلسطينية هي المعيار الذي يُحدد ما إذا كان هذا التفاهم بداية لاستقرار إقليمي، أم مجرد محطة عابرة في مسار صراع لم ينتهِ بعد.







