قبل أيام من انطلاق اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، دخلت الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) في مشاورات هاتفية مع وزير الخارجية الإيراني لمناقشة مستقبل برنامج طهران النووي.
تأتي هذه المحادثات في وقت حساس، إذ يقترب الموعد النهائي الذي حددته العواصم الأوروبية لإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، بعد سنوات من تعثر الاتفاق النووي المبرم عام 2015.
خلفية الاتفاق النووي وأسباب الانهيار
كان الاتفاق الموقع عام 2015 يمثل إنجازاً دبلوماسياً بارزاً، إذ حدّ من أنشطة إيران النووية مقابل رفع العقوبات الدولية عنها. لكن الاتفاق تعرض لهزة كبيرة بعد انسحاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عام 2018، وما تبعه من فرض عقوبات جديدة على طهران.
ومنذ ذلك الوقت، تصاعدت الشكوك الأوروبية بشأن التزام إيران ببنود الاتفاق، خصوصاً مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول قيود على عمليات التفتيش.
ورقة التفتيش الدولي.. مفتاح التهدئة
أكدت العواصم الأوروبية الثلاث أنها قد تؤجل استكمال عملية إعادة فرض العقوبات إذا سمحت طهران للوكالة الدولية للطاقة الذرية باستئناف عمليات التفتيش بشكل كامل ودون قيود.
ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها الاختبار الحقيقي لجدية إيران في التعاون مع المجتمع الدولي، خاصة بعد تقارير عن زيادة مستوى تخصيب اليورانيوم في منشآت مثل «فوردو» و«نطنز».
مخاوف من التصعيد وانعكاساته الإقليمية
يثير احتمال فشل المحادثات وعودة العقوبات مخاوف من تداعيات أوسع على استقرار الشرق الأوسط. فتصاعد الضغوط الاقتصادية على طهران قد يدفعها إلى مزيد من التشدد في ملفات إقليمية أخرى، بينما تخشى العواصم الأوروبية من أن يؤدي استمرار الجمود إلى سباق نووي في المنطقة، خاصة مع التوترات القائمة في الخليج والبحر الأحمر.
المراقبون يرون أن المحادثات الجارية اليوم تمثل فرصة أخيرة قبل الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. فإذا تجاوبت طهران وسمحت بعودة الرقابة الدولية، قد يُفتح الباب أمام تفاهم جديد يعيد الاتفاق النووي إلى مساره.
أما إذا تعنّتت، فإن الترويكا الأوروبية ستجد نفسها مضطرة للمضي قدماً في إعادة فرض العقوبات، وهو مسار قد يعمّق عزلة إيران ويدفعها إلى تسريع خطواتها النووية بعيداً عن أي التزامات دولية.
ويرى دبلوماسي فرنسي سابق أن أوروبا لم تعد قادرة على الانتظار أكثر، مؤكداً أن المهلة الزمنية التي منحتها الترويكا لإيران باتت في أيامها الأخيرة.
ويقول إن أي مماطلة إضافية من طهران ستدفع الأوروبيين إلى استخدام ورقة العقوبات بلا تردد.
طهران لن تخضع للابتزاز
في المقابل، اعتبر باحث إيراني مقرب من دوائر صنع القرار أن بلاده تنظر إلى التهديد الأوروبي باعتباره «ورقة ضغط سياسية» أكثر منه خياراً عملياً.
وأوضح أن القيادة الإيرانية تراهن على انقسام المواقف الدولية بين واشنطن وبروكسل، ما يتيح لها هامشاً أوسع للمناورة.
من جانبه، أكد خبير في شؤون الأمن القومي الأميركي أن أي تسوية للملف النووي الإيراني لن تكتمل دون مشاركة واشنطن.
وأضاف أن الترويكا الأوروبية تسعى حالياً لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة، لكن تأثيرها محدود ما لم تتفق مع الولايات المتحدة على استراتيجية موحدة تجاه طهران.
انعكاسات مباشرة على الخليج
حذّر محلل عربي من أن أي فشل في المفاوضات سيؤدي إلى تصعيد التوترات في منطقة الخليج. وأوضح أن دول الخليج تنظر بقلق إلى أنشطة إيران النووية والصاروخية، وقد تضطر إلى تعزيز تحالفاتها الدفاعية مع واشنطن ولندن لمواجهة أي تهديد محتمل.
أشار خبير اقتصادي مقيم في طهران إلى أن إعادة فرض العقوبات ستزيد من تدهور الوضع المعيشي في إيران، حيث تعاني البلاد بالفعل من تضخم مرتفع وبطالة متزايدة.
وأكد أن القيادة الإيرانية تواجه معضلة صعبة بين التمسك بمواقفها النووية وتحمل كلفة اقتصادية باهظة، أو تقديم تنازلات قد تُعتبر هزيمة سياسية.







