تتجه الأنظار إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث تُستأنف المحادثات المباشرة بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية، في جولة تفاوضية توصف بالحاسمة لمستقبل التهدئة في الجنوب اللبناني. وتأتي هذه المفاوضات استكمالاً للاتفاق الإطاري الموقّع بنهاية يونيو الماضي لتعبيد الطريق نحو تسوية أمنية وشاملة، إلا أنها تعود للنعقاد على وقع تصعيد ميداني حاد تخلله تفجير إسرائيل لشبكة أنفاق ضخمة تحت قلعة الشقيف، وسعى لبنان لتوسيع خطة الانسحاب الإسرائيلي وبسط نفوذ الجيش في المناطق الحدودية.
ملف الأنفاق وتفجيرات الشقيف: استعراض قوة يسبق التفاوض
شكل التطور الميداني الأخير عند مرتفعات الشقيف (Beaufort Ridge) محور المشهد الأمني عشية المباحثات:
تدمير مجمع أنفاق الشقيف: أعلن الجيش الإسرائيلي تفجير جزء رئيسي من شبكة أنفاق معقدة تحت المنطقة باستخدام نحو 700 طن من المتفجرات، مشيراً إلى أن الموقع كان يُستخدم كمركز قيادة عملياتي لـ “وحدة بدر” التابعة لحزب الله ومقر لإطلاق المسيّرات والصواريخ نحو شمال إسرائيل.
الرؤية الإسرائيلية ومخاوف التسلل: تعتبر تل أبيب أن استمرار وجود هذه البنية التحتية يمثل خرقاً صارخاً للقرار الأممي 1701 (الصادر عام 2006) الداعي لإخلاء الجنوب من السلاح غير الشرعي، مؤكدة أن بعض الأنفاق أُعدت لتنفيذ عمليات اقتحام وتسلل عابرة للحدود.
التوسع التاريخي والتقييم اللبناني: يرى خبراء عسكريون، بينهم العميد المتقاعد خالد حماده، أن شبكة الأنفاق شهدت توسعاً مدروساً منذ انسحاب إسرائيل عام 2000 بتمويل واستثمار عسكري مباشر من إيران. وفي المقابل، تقر السلطات اللبنانية بصعوبة حصر النطاق الكامل لهذه الشبكة المعقدة، مؤكدة أن عملية كشفها وتفكيكها بالكامل قد تستغرق سنوات.
أجندة «روما 2»: آليات التحقق ومرجعية الاتفاق الإطاري
تسعى الأطراف المشاركة في اجتماعات روما إلى ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطط تنفيذية ميدانية:
توسع «المناطق التجريبية»: يطرح الوفد اللبناني الإسراع في توسيع نطاق “المناطق التجريبية” التي ينشر فيها الجيش اللبناني قواته، مع التمسك بضم بلديات ذات أهمية استراتيجية ورمزية مثل بنت جبيل والخيام، والمطالبة بجدول زمني لانسحابات إسرائيلية متتالية.
آليات نزع السلاح وبسط السلطة: تتركز المباحثات على إنشاء آلية ثلاثية (لبنانية – إسرائيلية – أمريكية) للتحقق من خلو المناطق الـمفرغة من أي وجود مسلح لغير القوى الشرعية، وضمان سيطرة الجيش اللبناني التامة وتفكيك المواقع العسكرية بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.
الموقف الأمريكي واختبار التهدئة: تُراهن واشنطن على وضع ضوابط عملانية تحول دون الانزلاق لمواجهة شاملة، وتأكيد التزام الأطراف بخريطة الطريق المعتمدة من الإدارة الأمريكية لمنع تقويض اتفاق وقف إطلاق النار.
المشهد السياسي في بيروت ومواقف حزب الله
تنعكس التوازنات الداخلية في لبنان بشكل مباشر على سير المفاوضات وقدرة المؤسسات الرسمية على المناورة:
موقف حزب الله ورفض اتفاق الإطار: يواصل حزب الله مقاطعة المحادثات المباشرة، وكان أمينه العام نعيم قاسم قد أعلن سابقاً رفض الحزب لاتفاق الإطار واصفاً إياه بـ “الباطل”، رغم الإشارات إلى غياب مصلحة الحزب في التصعيد الميداني الواسع حالياً تجنباً لموجات نزوح جديدة ولرفض الأطراف السياسية الداخلية لأي مغامرة عسكرية جديدة.
تمسك الدولة بالمؤسسات: تؤكد قيادة الدولة اللبنانية برئاسة جوزيف عون والحكومة برئاسة نواف سلام أن خيار الاستقرار وحصر السلاح بيد الجيش والتمسك بالشرعية الدولية يمثل المسار الوحيد لحماية السيادة الوطنية وتجنيب البلاد تبعات المواجهات الإقليمية.






