رغم دويّ الغارات الليلية واتساع رقعة الهجمات المتبادلة، عاد المسار التفاوضي إلى جنيف بجولة جديدة تجمع مفاوضين من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في محاولة لإحياء أفق سياسي بعد أربع سنوات من الحرب. المشهد يعكس مفارقة متكررة في هذا النزاع: كلما اشتدّ القتال، سعت الأطراف إلى إبقاء نافذة التفاوض مواربة، ولو على قاعدة “إدارة الصراع” أكثر من حسمه.
دبلوماسية تحت القصف: التفاوض في ذروة التصعيد
تزامنت الجولة مع واحدة من أوسع موجات الهجمات الليلية، استهدفت مواقع الطاقة الأوكرانية بمئات المسيّرات والصواريخ، وردّت كييف بهجمات مسيّرة باتجاه مناطق روسية ساحلية. هذا التزامن لا يُقرأ فقط بوصفه ضغطاً ميدانياً لتحسين شروط التفاوض، بل أيضاً رسالة بأن مسار جنيف يتحرك تحت سقف عسكري لم ينخفض بعد. في مثل هذا السياق، تصبح طاولة المفاوضات امتداداً للصراع، لا بديلاً فورياً عنه.
الخطة الأميركية وحدود الواقعية السياسية
تتحرك الجولة على قاعدة إطار أميركي طُرح قبل أشهر، يقوم على مقايضة تنازلات إقليمية أوكرانية بضمانات أمنية غربية. غير أن هذا الإطار يصطدم بحدّين صلبين: رفض كييف المعلن لأي تنازل عن أراضٍ، وإصرار موسكو على انسحاب أوكراني من مناطق في دونيتسك لا تزال تحت سيطرة كييف. هنا تتكشف فجوة الواقعية السياسية: ما يُطرح كحل “براغماتي” دولياً، يُنظر إليه داخلياً في أوكرانيا كخط أحمر سيادي يصعب تسويقه.
دونباس: العقدة التي تعطل أي اختراق
يبقى مصير دونباس العقدة الأكثر استعصاء. مطالبة موسكو بانسحاب القوات الأوكرانية من جيوب لا تزال تسيطر عليها في دونيتسك تعني عملياً إعادة رسم ميداني للحدود قبل أي اتفاق دائم، وهو ما ترفضه كييف خشية تثبيت خسائر بالقوة. هذه العقدة تجعل أي حديث عن وقف دائم لإطلاق النار سابقاً لأوانه، وتحوّل المفاوضات إلى إدارة تفصيلية للتباعد، لا إلى ردمه.
واشنطن بين دفع التفاوض وإدارة التوقعات
اندفاعة دونالد ترامب نحو “حل دبلوماسي سريع” تعكس رغبة سياسية في إظهار قدرة على كسر الجمود، لكنها تصطدم بتعقيد الملفات العالقة. تحذيرات موسكو من أن القضايا المتبقية “واسعة النطاق” وأن نتائج جنيف غير قابلة للتنبؤ تُعيد ضبط سقف التوقعات. في هذا التباين، تحاول واشنطن لعب دور المُيسّر الضاغط، من دون أن تمتلك وحدها مفاتيح الحسم على الأرض.
رمزية التمثيل الروسي وتوسيع جدول الأعمال
ترؤس فلاديمير ميدينسكي، المعروف بخطابه القومي، للوفد الروسي في جنيف يحمل دلالة سياسية: موسكو تريد نقل النقاش من حيز الترتيبات العسكرية التقنية إلى فضاء السرديات السياسية والشرعية الإقليمية. إعلان الكرملين نية مناقشة “نطاق أوسع من القضايا” يوحي بأن موسكو تسعى لتثبيت إطار تفاوضي يعترف بمطالبها الإقليمية كجزء من تسوية شاملة، لا مجرد تفاهمات ميدانية مؤقتة.
استبعاد الأوروبيين ومعضلة الشرعية التفاوضية
كما في جولات سابقة، جرى استبعاد الحلفاء الأوروبيين لأوكرانيا من طاولة جنيف. هذا الغياب يطرح سؤال الشرعية والضمانات: كيف يمكن صياغة تسوية أمنية أوروبية من دون مشاركة الأطراف الأوروبية الأكثر تأثراً بنتائجها؟ استبعادهم قد يسرّع وتيرة التفاوض تكتيكياً، لكنه يضعف فرص تحويل أي تفاهم إلى ترتيب مستدام يحظى بقبول أوسع.
سيناريوهات قريبة: إدارة حرب أم تمهيد لتسوية؟
المعطيات الحالية ترجّح أن محادثات جنيف ستبقى في نطاق “إدارة الحرب” عبر تخفيف حدّة بعض الملفات الإنسانية أو التقنية، أكثر من كونها بوابة لتسوية نهائية. استمرار الضربات على البنية التحتية، وتصلّب المواقف حول دونباس، وتضارب أولويات الرعاة الدوليين، كلها عوامل تجعل أي اختراق جذري مؤجلاً. ومع ذلك، فإن إبقاء القنوات مفتوحة في ذروة التصعيد قد يكون، في حدّه الأدنى، محاولة لمنع الانزلاق إلى مسارات أكثر خطورة في حرب مفتوحة على احتمالات التصعيد الإقليمي.






