تشكّل مبادرة «محكمة غزة» أحدث محاولة من محاولات المجتمع المدني الدولي للضغط على المنظومة الأممية من أجل التدخل العاجل في قطاع غزة، في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023 وما خلّفته من أزمة إنسانية غير مسبوقة.
هذه المبادرة، التي تأسست في لندن عام 2024 وتضم أكاديميين وخبراء قانون وحقوقيين، اختارت أن تتوجه مباشرة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، متجاوزة بذلك مأزق مجلس الأمن، حيث يعطّل الفيتو المتكرر مساعي وقف إطلاق النار أو اتخاذ خطوات عملية لحماية المدنيين.
تفعيل أدوات الأمم المتحدة
في المؤتمر الصحافي الذي عُقد في إسطنبول، شدّد ريتشارد فولك، المقرر الأممي السابق لحقوق الفلسطينيين ورئيس المبادرة، على ضرورة التحرك قبل فوات الأوان. وأوضح أن الهدف يتمثل في تمكين الجمعية العامة من اتخاذ قرار استثنائي يسمح بتنظيم تدخل وقائي مسلح لحماية سكان القطاع وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
هذا الطرح يعكس محاولة لتفعيل الأدوات القانونية والسياسية المتاحة للأمم المتحدة، مثل قرار “الاتحاد من أجل السلام” الصادر عام 1950، أو مبدأ “المسؤولية عن الحماية” الذي أُقر عام 2005، وكلاهما يمنح الجمعية العامة صلاحيات للتحرك عندما يعجز مجلس الأمن.
دمار هائل ومعاناة إنسانية
الأهمية السياسية للمبادرة لا تكمن فقط في الدعوة إلى تدخل دولي، بل في إعادة توجيه النقاش نحو مسؤولية المجتمع الدولي ككل في مواجهة ما تصفه المبادرة بـ “الإبادة الجماعية”.
استخدام هذا التوصيف يضع إسرائيل في مواجهة اتهام خطير له تبعات قانونية وأخلاقية، خاصة أن تل أبيب تنفي بشكل متكرر هذه الاتهامات، وتؤكد أن عملياتها العسكرية تهدف إلى القضاء على “حماس” وليس استهداف السكان المدنيين. لكن الواقع على الأرض، كما تؤكده تقارير وكالات الإغاثة، يشير إلى دمار هائل ومعاناة إنسانية واسعة النطاق، وهو ما يجعل دعوات التدخل أكثر إلحاحًا.
من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى مبادرة «محكمة غزة» باعتبارها انعكاسًا لفقدان الثقة في قدرة مجلس الأمن على أداء دوره، وبالتوازي، محاولة لإحياء دور الجمعية العامة كمنبر يمكنه اتخاذ قرارات أخلاقية وسياسية تضغط على الدول الأعضاء للتحرك. هذا التوجه يذكّر بتجارب سابقة مثل تجاوز الفيتو السوفياتي خلال الحرب الكورية، أو التوافق الدولي بعد مآسي رواندا والبوسنة، حيث وُضعت قواعد جديدة لتدخل المجتمع الدولي عندما يُترك المدنيون عرضة للإبادة.
ضغوط دبلوماسية على إسرائيل
في المقابل، يطرح هذا السيناريو أسئلة عملية حول إمكانية التنفيذ. فحتى إذا تبنّت الجمعية العامة قرارًا يدعو لتدخل مسلح وقائي، يبقى السؤال حول من سيشكل هذه القوة، ومن سيتحمّل تكلفتها ومسؤولية إدارتها، وما إذا كانت الدول الكبرى مستعدة للانخراط في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل. مثل هذه الخطوات عادةً ما تصطدم بالاعتبارات السياسية والبراغماتية، خصوصًا في ظل انقسام واضح داخل المنظومة الدولية.
مع ذلك، لا يمكن إغفال أن الدعوة تحمل وزنًا معنويًا وسياسيًا مهمًا، إذ تعكس قلقًا متزايدًا لدى الأوساط الحقوقية والأكاديمية العالمية من أن الوضع في غزة يتجاوز حدود “الأزمة الإنسانية” ليصل إلى مستوى الجرائم الدولية التي تستدعي تحركًا استثنائيًا. وفي حال وجدت هذه الدعوة صدى لدى عدد من الحكومات المؤثرة، فقد تشكل رافعة إضافية للضغوط الدبلوماسية المتصاعدة على إسرائيل، التي تواجه بالفعل عزلة متزايدة مع اقتراب بعض الدول الغربية من الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
بهذا المعنى، تمثل مبادرة «محكمة غزة» محاولة لفتح نافذة جديدة للتحرك في لحظة تاريخية فارقة، حيث يقف المجتمع الدولي أمام اختبار صعب: إما الاستمرار في الاكتفاء بالإدانة اللفظية، أو الانتقال إلى فعل حقيقي لحماية المدنيين، حتى وإن تطلب ذلك تفعيل آليات استثنائية كانت حتى وقت قريب حبيسة النصوص القانونية والتاريخية.






