وجه نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف انتقادات لاذعة لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن ما طرحه الأخير بشأن تقصير مهلة وقف إطلاق النار في أوكرانيا ليس مجرد اقتراح تفاوضي، بل خطوة خطيرة باتجاه الحرب.
“الإنذار الأميركي” يفتح أبواب المواجهة
ترامب، الذي تحدث في وقت سابق عن مهلة خمسين يومًا لإنهاء الحرب الأوكرانية، عاد ليقلص هذه المدة إلى أقل من أسبوعين، متذرعًا بانعدام التقدم في التوصل إلى تسوية، وقائلاً إنه “لا يرى جدوى من الانتظار أكثر”. لكن اللهجة الأميركية الجديدة لم تمر مرور الكرام في موسكو، حيث وصف مدفيديف هذا الطرح بأنه تهديد صريح يجب أخذه على محمل الجد.
رد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي جاء حادًا، إذ أكد أن إطلاق إنذارات على هذا النحو “لا يمكن أن يُفهم إلا كمقدمة لعداء مباشر”، محذرًا ترامب من مغبة تجاهل حقيقة أن روسيا “ليست إسرائيل ولا إيران”، في إشارة ضمنية إلى أن أي حسابات أميركية خاطئة في التعامل مع موسكو قد تفضي إلى تداعيات عالمية غير قابلة للاحتواء.
موسكو تحذّر من المساس بمعادلة الردع
الرد الروسي على تصريحات ترامب لا يعكس فقط انزعاجًا دبلوماسيًا، بل يتعدى ذلك إلى تذكير استراتيجي بأن موسكو ترى نفسها قوة نووية لا ينبغي تهديدها أو وضعها تحت ضغط المهل الزمنية. ومن الواضح أن الكرملين يتعامل مع هذه التصريحات على أنها تنتمي إلى سجل متصاعد من الضغوط الغربية، التي تتجاوز حدود المعركة الأوكرانية، وتمس جوهر معادلة الردع العسكري والسياسي التي تقوم عليها العلاقة بين القوى العظمى.
التبدّل في موقف واشنطن… استباق لحسم؟
من ناحية أخرى، يُثير تبدّل الموقف الأميركي تساؤلات عن حقيقة الحسابات الجيوسياسية الجديدة في واشنطن. فترامب، الذي لطالما أعلن عن نيّته إنهاء الحرب الأوكرانية خلال أيام إذا عاد إلى البيت الأبيض، يبدو الآن أقل صبراً، وأقرب إلى تبني لهجة حاسمة قد تسبق تحركاً عملياً على الأرض، سواء في دعم أوكرانيا بتسليح نوعي إضافي، أو في الدفع نحو تسوية قسرية بأي ثمن.
وبينما لا تزال ملامح هذا التوجه غير واضحة بالكامل، إلا أن توقيت الخطاب يتقاطع مع تعثّر الوساطة التركية، التي كانت أنقرة تراهن على تحريكها مجدداً في الأسابيع المقبلة. إذ لا يبدو أن هناك رغبة جدية من قبل الأطراف الفاعلة في الجلوس إلى طاولة تفاوض حقيقية، خاصة مع ارتفاع سقف التهديدات، وعودة لغة “الخطوط الحمراء” إلى الواجهة.
تركيا خارج المعادلة؟
في هذا السياق، تبقى الوساطة التركية في حالة شلل فعلي، رغم تصريحات متفرقة عن إمكانية إحيائها. فأنقرة، التي كانت قد لعبت دوراً لافتاً في ملف تبادل الأسرى واتفاقية الحبوب في البحر الأسود، تجد نفسها اليوم على الهامش، بعد أن تراجع الحضور الإقليمي والدولي لمبادراتها. ويبدو أن الحسابات الجديدة، سواء في موسكو أو واشنطن، لا تُبقي مساحة حقيقية لأي طرف ثالث، خصوصًا إذا ما تم حصر الخيارات بين المواجهة المباشرة أو فرض تسوية من موقع القوة.
هل باتت الحرب أقرب من التسوية؟
التحذير الروسي الصريح من “مخاطر اللعب بالمهل الزمنية” يفتح الباب أمام فرضية أن أي محاولة أميركية لإجبار موسكو على تنازلات فورية ستُقابل بتصعيد مضاد. وفي ظل غياب قناة تفاوض موثوقة ووسطاء يحظون بثقة الطرفين، تبدو الاحتمالات مفتوحة على مرحلة أكثر خطورة من الصراع، يكون فيها التصعيد التكتيكي مقدّمة لتغيير استراتيجي في مسار الحرب نفسها.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى تطورات الميدان في أوكرانيا، قد تكون أخطر المعارك القادمة هي تلك التي تُدار من خلف الشاشات والتصريحات النارية، والتي قد تُفهم خطأً أو يُراد بها فرض وقائع جديدة بلغة القوة لا الدبلوماسية.







