قد يكون إعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حل لجنة الطوارئ الحكومية في قطاع غزة، وإحالة مهامها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة المنبثقة عن مجلس السلام، أحد أهم التحولات السياسية التي يشهدها القطاع منذ سيطرة الحركة عليه عام 2007. فالخطوة في حد ذاتها عنوان لمرحلة جديدة، وإن كانت ملامحها لا تزال ضبابية.
قد يكون من الضروري أن نفتح قوسين لنقول إن هذا التحول لا ينبغي قراءته بوصفه خياراً سياسياً استراتيجياً اتخذته الحركة بإرادتها الكاملة، أو مراجعة شاملة لتجربتها في الحكم، بقدر ما يبدو استجابة لواقع فرضته الحرب بعد أن سيقت الحركة الى خانة اليك ودفعت دفعا إلى الخروج من الباب الضيق.
وحتى وإن انزاحت حماس عن واجهة الإدارة المباشرة للقطاع، فإن ذلك لا يعني أن الطريق أصبح واضحاً. فما زالت الأسئلة الجوهرية بلا إجابات: كيف ستدار المرحلة المقبلة؟ وهل ستكون حكومة التكنوقراط المنتظرة قادرة على تجاوز التعقيدات السياسية والإدارية؟ والأهم، هل ستجد التمويل الكافي للانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب؟
فالمال ليس تفصيلاً في هذه المرحلة، بل هو الشرط الأول لأي مشروع إنقاذ. فالحكومة المقبلة لن تبدأ من نقطة الصفر، بل من تحت الركام؛ إذ ستواجه إرثاً ثقيلاً من الأزمات المتراكمة، بعضها سبق حرب السابع من أكتوبر بسنوات. فقد كانت أزمات التعليم والصحة والبطالة والكهرباء جزءاً من الحياة اليومية في غزة، قبل أن تأتي الحرب لتضاعفها، وتضيف إليها دماراً واسعاً جعل إعادة الإعمار تعني، في حقيقتها، إعادة بناء مجتمع بأكمله، لا مجرد تشييد مبانٍ جديدة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن هياكل إدارية جديدة، وإنما في قدرتها على التحول إلى سلطة فعلية على الأرض: فالمشهد السياسي الفلسطيني لا يزال يفتقد إلى الاستقرار، والقرار الفلسطيني ما زال محكوماً بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية معقدة، بينما تواصل إسرائيل رفض أي عودة كاملة للسلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. وفي المقابل، ورغم أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة المنبثقة عن مجلس السلام أُنيطت بها مهمة إدارة المؤسسات المدنية والإشراف على إعادة الخدمات الأساسية، فإنها لم تبدأ مهامها بعد، إذ لا يزال أعضاؤها غير قادرين على دخول القطاع، في انتظار ترتيبات سياسية وأمنية ولوجستية لم تحسم بعد.
ورغم كل المعوقات التي تواجه غزة في أول الطريق، فإن نافذة الأمل لم تغلق بعد. فإذا أبدت القوى الدولية والغربية إرادة حقيقية لإنقاذ غزة، فقد تبدأ عجلة التعافي بالدوران تدريجياً. لكن ينبغي الاعتراف بأن المبالغ التي أعلن عنها حتى الآن، مهما بدت كبيرة، لا تمثل سوى بداية متواضعة أمام حجم الاحتياجات الفعلية. فالقطاع يحتاج إلى مليارات إضافية، وإلى سنوات طويلة من العمل، وإلى عشرات الآلاف من المهندسين والفنيين والعمال المؤهلين لإعادة بناء ما هدمته الحرب.
وفي موازاة ذلك، تبدو البيئة الإقليمية مختلفة عما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر، مع ضيق هامش المناورة على حركة حماس. فالمحور الإيراني، الذي شكل لسنوات أحد أبرز العوامل المؤثرة في معادلات الصراع داخل غزة، يعيش اليوم حالة من التراجع والتفكك، وهو ما يفتح الباب أمام معادلات سياسية جديدة. لكن تحميل حماس وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع سيكون قراءة ناقصة؛ إذ إن حكومات الاحتلال الإسرائيلي لطالما اتخذت من تصعيد الحركة ذريعة لتبرير حروب مدمرة وسياسات عمقت المأساة الإنسانية في القطاع.
اليوم، تبدو الأولوية مختلفة والظرف أكثر تعقيدا، فاستمرار السجال السياسي لن يعيد بناء بيت واحد، ولن يداوي جريحاً، ولن يخفف من معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين. المطلوب هو تغليب منطق الإنقاذ على منطق المناكفات، وأن تدرك الأطراف كافة، بما فيها ما تبقى من قيادة حماس، أن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر فرضت واقعاً جديداً يصعب تجاوزه. فالعودة إلى الحلقة المفرغة من المواجهات لم تعد ممكنة؛ ليس لأن الإرادة وحدها تغيرت، بل لأن موازين القوى والمتغيرات الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بإعادة إنتاج المشهد السابق، وهو مشهد لم يورث الفلسطينيين سوى مزيد من الانتكاسات، ومنح الاحتلال ذرائع إضافية لمواصلة سياساته العقابية.
وربما تكون هذه اللحظة فرصة نادرة أمام الغزيين لبناء وجه جديد لغزة، يقطع الطريق أمام كل من اعتاد الاستثمار في الألم الفلسطيني أو توظيف معاناة السكان في حسابات سياسية ضيقة. كما أنها فرصة أمام جيل الشباب، الذي قد يكون الأكثر قدرة على إنتاج خطاب سياسي مختلف، يتجاوز انقسامات الماضي ويؤسس لمرحلة أكثر واقعية ومسؤولية.
غزة اليوم تقف أمام ورشة إصلاح شاملة؛ سياسية واقتصادية واجتماعية، تتطلب استعادة الحد الأدنى من التوافق الفلسطيني، وإبعاد لغة التخوين والمناكفات التي لم تثمر سوى مزيد من الانقسام. فكل تعثر جديد في بناء توافق وطني سيمنح الاحتلال فرصة إضافية لتسويق روايته القائلة بعدم وجود شريك فلسطيني قادر على إدارة دولته المستقبلية.
فاضل المناصفة






