وسط تزايد الشكاوى من أعراض غامضة مثل جفاف العين، وصعوبة البلع، والإجهاد المزمن، يظهر مرض شوغرن أو شوجرن كأحد أكثر الأمراض المناعية غموضًا وتعقيدًا. تشير د. غادة شوشة، أستاذ مساعد طب الأطفال واستشاري أمراض الحساسية والمناعة، إلى أنه يُطلق عليه أيضًا اسم “مرض جفاف الجسم المناعي”، وتكشف عن تفاصيله الدقيقة. تؤكد الدكتورة شوشة أن هذا المرض لا يُصيب عضوًا واحدًا، بل يمكن أن يهاجم أعضاء متعددة في الجسم، ويؤثر بشكل كبير على حياة المريض، ما يستلزم المتابعة المستمرة والالتزام الدقيق بالعلاج.
طبيعة المرض: هجوم مناعي على الجسم
في جوهره، يُعد مرض شوغرن مرضًا مناعيًا، حيث تقرر الأجسام المناعية – دون سبب معروف – أن تهاجم أنسجة الجسم السليمة، مما يؤدي إلى أعراض متنوعة، أبرزها الجفاف. يُعد جفاف العين الحاد من العلامات المبكرة المميزة، يليه جفاف الفم والحلق نتيجة التهابات متكررة في الغدد اللعابية. كذلك يتعرض الجهاز الهضمي للجفاف، مما يسبب صعوبة في البلع، وحاجة المريض لشرب كميات كبيرة من الماء لتمرير الطعام، فضلًا عن معاناة بعض الحالات من ارتجاع في المريء أو التهاب بالمعدة.
لا يتوقف الجفاف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل المناطق التناسلية، خاصة عند النساء، حيث تظهر أعراض مثل الحكة والألم وأحيانًا التقرحات، مما يؤثر على جودة الحياة بشكل ملحوظ.

تأثيرات شاملة على الأعضاء الداخلية
في بعض الحالات، قد يصيب الجفاف الأنسجة الداخلية الأخرى، مثل العين، مسببًا التهابًا قزحيًا، أو الجهاز العصبي، محدثًا التهابات مناعية في المخ والأعصاب الطرفية. كما يعاني البعض من آلام في المفاصل أو العضلات، قد تتطور إلى التهابات مزمنة.
الرئتان أيضًا قد تتأثران، حيث تظهر كحة تشبه كحة الحساسية، وقد تتفاقم لتصل إلى حدوث تليفات. أما الكلى، فتُعد من الأعضاء الأكثر تأثرًا، إذ قد تحدث بها التهابات أنبوبية تؤدي إلى زيادة ملحوظة في كمية البول، وتغير في حمضية الدم، ونقص كبير في البوتاسيوم، قد يصل إلى شلل مؤقت في الأطراف. كذلك، قد يظهر التهاب مباشر في نسيج الكلى نفسه.
مضاعفات خطيرة وتأثير على الحمل
يحذر الأطباء من تأثير المرض على القلب، ليس للمريض نفسه فقط، بل قد يُصيب الجنين إذا كانت الأم مصابة وغير منتظمة على العلاج، حيث يتسبب في توقف متكرر في ضربات قلب الجنين، فيما يُعرف بـ”heart block”. كما أن النساء المصابات بالمرض أكثر عرضة لالإجهاض المتكرر، بسبب تأثير المناعة غير المنضبطة على الحمل.
من جهة أخرى، قد يعاني بعض المرضى من أعراض عامة مثل الحمى، والتعب الشديد، وآلام في الجسم، إلى جانب تورم في الغدد الليمفاوية، أو الكبد، أو الطحال. وفي حالات نادرة، قد يظهر كسل في نخاع العظم، ما يؤدي إلى أنيميا ونقص في الصفائح الدموية، وهو ما يزيد من خطورة الحالة في حال إهمالها، إذ قد تتطور لاحقًا إلى أورام خبيثة في الغدد الليمفاوية.
تشخيص معقد وعلاج مستمر
تؤكد د. غادة شوشة أن لكل مريض بصمته الخاصة على المرض، كما أن للمرض بصمته على كل مريض، فالأعراض تختلف من شخص لآخر، وقد تزيد أو تقل حسب تطور الحالة. لذلك، يُعد شوغرن من الأمراض التي تحتاج إلى متابعة دقيقة، والالتزام بالعلاج، وشرب الماء بانتظام، إلى جانب الفحوصات الدورية لمراقبة تطور الأعراض، والاطمئنان على سلامة الأعضاء الداخلية.
أما عن التشخيص، فتوضح أن الأمور ليست بهذه السهولة، فحتى التحاليل لا تكشف دائمًا عن المرض، إذ أن الأجسام المناعية تكون إيجابية فقط في 50% من الحالات، مثل: Anti-SSA وAnti-SSB، بينما قد ترتفع مؤشرات أخرى مثل ANA وRheumatoid Factor، وقد تظهر تغيرات في صورة الدم وسرعة الترسيب، لكن التشخيص يعتمد في النهاية على الأعراض الإكلينيكية وليس التحاليل فقط.
وحول ما إذا كان مرض شوغرن له بعد وراثي أو جيني، تشير د. غادة إلى أنه حتى الآن لا توجد أدلة علمية واضحة تؤكد وجود عوامل وراثية مرتبطة به. أما العلاج، فيعتمد في بعض مراحله على الكورتيزون، إضافة إلى أدوية مناعية تُختار وفقًا لحالة كل مريض، والأعراض التي يعاني منها.
تختم د. غادة بالتأكيد على أن الأمراض المناعية عمومًا هي أمراض مزمنة، ولا يتوقع الشفاء التام منها، لكن الهدف الأساسي هو إدخال المرض في حالة خمول طويلة المدى، تمكن المريض من العيش دون أعراض أو مع أقل قدر ممكن من الأدوية. في بعض الحالات الاستثنائية، قد يتمكن البعض من الاستغناء عن العلاج تمامًا، لكن ذلك يتطلب التزامًا ومراقبة طبية دقيقة. هل تعاني من أي من هذه الأعراض؟






