في تقرير ميداني صادم، كشف مراسلا صحيفة “وول ستريت جورنال” عن فصول مأساوية تُرافق ما تسميه إسرائيل “برنامج المساعدات الإنسانية” في غزة، في وقت يتزايد فيه الجوع واليأس والانفلات الأمني. هذا البرنامج الذي أُطلق بغطاء إنساني وبمباركة من واشنطن، أصبح أداة للسيطرة وتحقيق مكاسب سياسية على حساب حياة المدنيين، كما بيّنت الزيارة الصحفية إلى خان يونس، التي جاءت ضمن جولة علاقات عامة رتّبتها السلطات الإسرائيلية لوسائل إعلام غربية.
توزيع أم إهانة جماعية؟
في صباح يوم الثلاثاء، احتشد آلاف الفلسطينيين عند مركز توزيع في خان يونس، تديره مؤسسة “غزة الإنسانية” – وهي منظمة مدعومة من إسرائيل. خلف الأسلاك الشائكة، انتظر الجائعون فتح البوابات، قبل أن تعم الفوضى حين اقتحم العشرات الحواجز تحت وطأة الجوع واليأس. المتعهدون الأمنيون الأميركيون فشلوا في السيطرة على الوضع، وسرعان ما انتشر ركاب دراجات نارية لنقل الصناديق، فيما دوّت طلقات نارية في الأرجاء، ووقع عدد من الضحايا في دقائق معدودة.
هذا المشهد، الذي لم يكن استثنائيًا، بات يتكرر بشكل يومي. فحسب تقرير الصحيفة، قُتل وأُصيب المئات منذ انطلاق البرنامج قبل نحو شهرين. مصادر من الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية دولية أدانت اعتماد هذا البرنامج على وجود الجيش الإسرائيلي لتأمين مواقعه، وهو ما جعل المدنيين هدفًا مباشرًا في حالات كثيرة، في ظل تعليمات واضحة بإطلاق النار عند الاقتراب من الحواجز.
فشل إنساني أم توظيف سياسي؟
برنامج “غزة الإنسانية” لا يعمل فقط خارج مظلة الأمم المتحدة، بل جاء خصيصًا لتقليص دورها، كما أكد التقرير، وتحجيم النفوذ الإغاثي لحركة حماس. لكن النتيجة كانت كارثية: توزيع محدود، أعداد هائلة من المحتاجين، وغياب تام للتخطيط الأمني واللوجستي.
الجيش الإسرائيلي نفسه أقر باستخدامه للذخيرة الحية لتفريق الحشود إذا اقتربت كثيرًا. أحد جنود الاحتياط أفاد بأنه رأى زملاءه يطلقون النار على فلسطينيين يلوّحون بأعلام بيضاء، لمجرد أنهم خرجوا عن “المسار المسموح”. وفي مشهد آخر، استخدم المتعهدون الأمنيون الأميركيون رذاذ الفلفل ضد المدنيين، ما تسبب في حالات اختناق بين نساء وأطفال وشيوخ.
جريمة منظمة أم فوضى مقصودة؟
المسؤولية الأخلاقية لا تقع فقط على عاتق الجيش الإسرائيلي، بل تتوزع أيضًا على الداعمين الدوليين الذين باركوا نموذجًا إغاثيًا يعتمد على القوة العسكرية بدلًا من المؤسسات الإنسانية. فالبرنامج أُطلق بحضور صحفيين غربيين، وبمساعدة لوجستية من واشنطن، في محاولة لتجميل صورته وتقديمه كبديل “عملي” عن تدخل الأمم المتحدة.
لكن الحقائق على الأرض تروي رواية أخرى: اختناق، دماء، رعب، وأشخاص يُقتلون من أجل رغيف خبز. والمفارقة أن الجيش الإسرائيلي، الذي يُفترض أن يكون بعيدًا عن العمل الإنساني، هو من يحدد أين يُسمح للغذاء بالمرور، وكيف يُوزّع، ومن يستحق النجاة ومن يُترك للموت.
شهادة من قلب المأساة
يقول أحمد طارق الداودي، أحد الذين تواجدوا في موقع التوزيع:
“لم أستطع التنفس من رائحة رذاذ الفلفل. لم أحصل على شيء وهربت. كان هناك الكثير من الأطفال والنساء وكبار السن. رأيت حوالي 15 جثة”.
إنها شهادة توثق بالدم والانكسار ما عجزت عنه العدسات الرسمية. شهادة تؤكد أن البرنامج الإنساني الإسرائيلي في غزة لم يكن يومًا إلا امتدادًا للسيطرة والحصار، وأن المساعدات تحوّلت إلى أداة للابتزاز والتجويع والترهيب.
في الختام، فإن ما كشفت عنه “وول ستريت جورنال” لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للعدوان الإسرائيلي على غزة. فكل محاولة لتجميل الوجه القبيح للحصار لن تُخفي الحقيقة: الجوع لا يُدار بالجنود، والمساعدات لا تُوزَّع تحت فوهات البنادق.






