تتقاطع أزمة سد النهضة مع التوترات المتصاعدة في القرن الأفريقي، لتضع القاهرة وأديس أبابا أمام معادلة شديدة التعقيد: صراع على المياه والأمن القومي، ومخاطر اتساع المواجهة إلى حرب إقليمية، مقابل محاولات دبلوماسية لاحتواء الأزمات المتشابكة. وبين التصعيد العسكري والضغوط السياسية، يبقى السؤال: هل تقترب المنطقة من مواجهة مباشرة، أم أن كلفة الحرب ستدفع الأطراف إلى تسوية تفاوضية؟
أولًا: نزاع يتجاوز سد النهضة
ظل سد النهضة محور الخلاف بين مصر وإثيوبيا منذ سنوات، لكنه بات يتداخل مع ملفات أوسع تشمل أمن البحر الأحمر، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، والحرب السودانية، والتوترات بين إثيوبيا وإريتريا.
وتنظر القاهرة إلى السد باعتباره قضية أمن مائي مباشر، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على مياه النيل، بينما تعتبره أديس أبابا مشروعًا سياديًا للتنمية وتوليد الكهرباء، ووسيلة لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة.
وتتركز نقاط الخلاف الأساسية حول قواعد تشغيل السد خلال فترات الجفاف، وتبادل البيانات، وآليات التنسيق بشأن إدارة المياه، وطبيعة الاتفاق الذي يمكن أن يلزم الأطراف على المدى الطويل. ولم تنجح المفاوضات الممتدة في الوصول إلى تسوية مقبولة لجميع الدول المعنية.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2026، جددت القاهرة تشديدها على أن قضية المياه تتصل بأمنها الوطني، في وقت اتسعت فيه الخلافات مع إثيوبيا على خلفية التطورات الأمنية في تيغراي. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام، أن القاهرة تترك المجال أمام الحلول الدبلوماسية، لكن ليس على حساب أمن مصر ومصالح شعبها.
ويعني ذلك أن النزاع لم يعد محصورًا في المسائل الفنية المتعلقة بتشغيل السد، بل أصبح جزءًا من علاقة استراتيجية تتأثر بالتوازنات الإقليمية وبمدى الثقة السياسية بين البلدين.
ثانيًا: عودة القتال في تيغراي ترفع مخاطر المواجهة الإقليمية
تزامنت أزمة المياه مع تجدد القتال في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، وهو تطور أعاد المخاوف من اتساع الصراع داخل البلاد وامتداده إلى دول الجوار.
وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استعادت قوات موالية للحكومة الإثيوبية السيطرة على ميكيلي، عاصمة الإقليم، بعد تراجع قوات جبهة تحرير شعب تيغراي وحلفائها. وجاء ذلك بعد هجوم بدأ في 23 سبتمبر/أيلول، في تصعيد يُعد من أخطر التطورات منذ الحرب التي انتهت باتفاق سلام عام 2022.
وازداد المشهد تعقيدًا بعد اتهام أديس أبابا إريتريا بدعم المتمردين، واتهامها مصر والسودان أيضًا بمساندة أطراف معادية للحكومة الإثيوبية. ونفت الدول المعنية هذه الاتهامات.
وتصاعدت الأزمة الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا مع إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع جارتها. كما تبادلت مصر وإثيوبيا إجراءات دبلوماسية متصلة بالأزمة.
وتكمن الخطورة في احتمال تداخل النزاعات: فإذا تحولت المواجهة في تيغراي إلى صراع أوسع بين إثيوبيا وإريتريا، فقد تجد مصر نفسها أمام بيئة إقليمية مختلفة، تتداخل فيها اعتبارات أمن البحر الأحمر مع نزاع مياه النيل.
لكن هذا التشابك لا يعني أن الحرب باتت حتمية، ولا يثبت وجود تحالف عسكري معلن بين مصر وإريتريا ضد إثيوبيا. فحتى الآن، يجب الفصل بين التقارب السياسي، والتنسيق الأمني المحتمل، والالتزام الفعلي بالدخول في حرب.
ثالثًا: قمة العلمين.. محاولة لاحتواء التصعيد
في 4 أكتوبر/تشرين الأول، استضافت مدينة العلمين المصرية قمة تشاورية جمعت مصر وإريتريا والسودان والصومال، بالتزامن مع اجتماع تنسيقي للاتحاد الأفريقي. وأعلنت الرئاسة المصرية أن القمة تستهدف التشاور بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
ويكتسب الاجتماع أهميته من توقيته؛ إذ يأتي في ظل تدهور العلاقات الإثيوبية الإريترية، وتصاعد القتال في تيغراي، واستمرار الخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة.
وتبرز في هذا السياق ثلاثة أهداف محتملة للتحرك المصري:
-
احتواء التصعيد: منع تحول التوتر الإثيوبي الإريتري إلى حرب إقليمية قد تهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
-
تعزيز التنسيق الإقليمي: التشاور مع دول لها مصالح مباشرة في أمن البحر الأحمر والحدود السودانية والقرن الأفريقي.
-
الحفاظ على المسار الدبلوماسي: تجنب انزلاق أزمة سد النهضة إلى مواجهة عسكرية يصعب احتواء تداعياتها.
وكان الاتحاد الأفريقي قد دعا، في بيان صدر في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب التصريحات والإجراءات التي قد تزيد التوتر، مع التأكيد على ضرورة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وحل الخلافات بالحوار.
وتنسجم هذه الدعوة مع مصلحة إقليمية أوسع، تتمثل في منع انتقال الأزمات الداخلية إلى صراع بين الدول، خصوصًا في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتنافس على الموانئ والممرات البحرية والموارد.
ومع ذلك، فإن عقد القمة لا يعني بحد ذاته التوصل إلى اتفاق أو نجاح الوساطة. ويظل معيار النجاح مرتبطًا بما إذا كانت المشاورات ستفضي إلى اتصالات مباشرة، أو تفاهمات لخفض التصعيد، أو آلية متابعة تمنع تدهور الأوضاع.
رابعًا: هل يمكن أن تدخل مصر وإثيوبيا في حرب مباشرة؟
يبقى احتمال المواجهة العسكرية المباشرة قائمًا من الناحية النظرية، لكنه ليس النتيجة الوحيدة الممكنة لتصاعد الخلافات. وتحديد مستوى الخطر يتطلب التمييز بين التهديدات السياسية، والتحركات العسكرية، والقرارات الفعلية باستخدام القوة.
السيناريو الأول: مواجهة عسكرية مباشرة
قد يرتفع خطر الحرب إذا وقع تطور تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي، أو إذا اتسع النزاع الإقليمي إلى درجة تدفع الأطراف إلى التدخل المباشر.
غير أن الحرب ستكون شديدة الكلفة على الطرفين. فمصر ستواجه تعقيدات جغرافية ولوجستية كبيرة بسبب المسافة التي تفصلها عن الأراضي الإثيوبية، فيما قد يؤدي أي صراع واسع إلى اضطراب اقتصادي وأمني في إثيوبيا، التي تواجه أصلًا تحديات داخلية وأمنية.
كما أن التدخل العسكري قد يفتح المجال أمام أطراف إقليمية ودولية أخرى للانخراط في الأزمة، ويهدد أمن الملاحة والتجارة في البحر الأحمر وخليج عدن.
التقدير: لا يمكن استبعاد الحرب، لكن لا تكفي حدة الخطاب السياسي أو وجود خلاف استراتيجي طويل الأمد وحدهما للاستنتاج بأن قرار المواجهة قد اتُخذ. ولا تتوافر في المعطيات المذكورة أدلة كافية للجزم بأن أحد الطرفين يستعد لبدء حرب شاملة.
السيناريو الثاني: تصعيد محدود وضغوط متبادلة
قد تلجأ الأطراف إلى إجراءات سياسية ودبلوماسية وأمنية محدودة، بهدف تحسين مواقعها التفاوضية من دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
وقد يشمل ذلك تشديد التحالفات الإقليمية، وزيادة الاتصالات العسكرية مع الشركاء، والتلويح بخيارات مختلفة، أو توسيع الحضور الدبلوماسي والأمني في المناطق الاستراتيجية.
ويمتاز هذا السيناريو بأنه يسمح للأطراف بإظهار الحزم أمام الرأي العام الداخلي، مع الاحتفاظ بهامش للتراجع أو التفاوض. لكنه يحمل خطر سوء التقدير؛ إذ قد تُفسَّر خطوة دفاعية على أنها استعداد للهجوم، فتدفع الطرف الآخر إلى رد فعل تصعيدي.
التقدير: يمثل التصعيد السياسي والأمني دون حرب شاملة احتمالًا يستحق المتابعة، خصوصًا في ظل تداخل أزمة سد النهضة مع التوترات في تيغراي والقطيعة الإثيوبية الإريترية.
السيناريو الثالث: العودة إلى المفاوضات
يظل الحل الدبلوماسي ممكنًا، حتى إذا تعثرت المفاوضات السابقة. ويمكن أن يبدأ عبر استعادة الاتصالات الثنائية، أو وساطة أفريقية، أو مشاركة أطراف دولية قادرة على تقديم ضمانات سياسية وفنية.
ويتطلب أي اتفاق قابل للاستمرار معالجة المخاوف المصرية بشأن إدارة المياه في فترات الجفاف، وتوفير آلية موثوقة لتبادل البيانات والتنسيق، مع الاعتراف بحق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء.
كما يحتاج الاتفاق إلى قواعد واضحة لتسوية الخلافات عند حدوثها، بدل ترك القرارات التشغيلية الحساسة عرضة للتفسيرات المتعارضة والضغوط السياسية.
التقدير: يظل المسار الدبلوماسي خيارًا واقعيًا، لأن كلفة الحرب مرتفعة ولأن النزاع لا يمكن حله عسكريًا بصورة مستدامة من دون معالجة الأسباب الفنية والسياسية التي أدت إليه.
خامسًا: ما الذي قد يمنع الحرب؟
هناك عوامل قد تدفع مصر وإثيوبيا إلى تجنب المواجهة المباشرة، رغم استمرار الخلاف.
أولها الكلفة الاقتصادية والعسكرية لأي حرب، وما قد ينتج عنها من اضطراب في التجارة والاستثمار والاستقرار الداخلي. وثانيها صعوبة احتواء النزاع إذا اتسع ليشمل دولًا أخرى في القرن الأفريقي. وثالثها الضغوط الدولية والأفريقية التي تدعو إلى إبقاء الخلافات ضمن الأطر السياسية والقانونية.
كما أن استمرار القنوات الدبلوماسية يتيح للطرفين إدارة الخلاف دون التراجع الكامل عن مواقفهما المعلنة. ويمكن أن تشكل الوساطة الأفريقية نقطة انطلاق، خصوصًا إذا اقترنت بآلية فنية مستقلة لمعالجة المسائل المتعلقة بتشغيل السد وتبادل البيانات.
لكن منع الحرب لا يتوقف على الدعوات العامة إلى التهدئة وحدها؛ بل يتطلب خطوات ملموسة، تشمل تجنب التهديدات غير المحسوبة، وإعادة الاتصالات، وتحديد قواعد واضحة للتعامل مع الأزمات، وعدم ربط جميع الملفات الخلافية ببعضها على نحو يجعل تسوية أحدها رهينة حلها جميعًا.
أزمة تحتاج إلى تسوية سياسية لا إلى اختبار عسكري
تكشف التطورات الحالية أن النزاع المصري الإثيوبي بات جزءًا من أزمة إقليمية أوسع، تتداخل فيها المياه والسيادة والأمن والتحالفات. وأصبح خطر التصعيد مرتبطًا ليس فقط بمستقبل سد النهضة، بل أيضًا بقدرة دول القرن الأفريقي على منع انتقال الصراعات الداخلية إلى مواجهات بين الدول.
وتمنح قمة العلمين القاهرة فرصة للتحرك دبلوماسيًا، والتشاور مع دول المنطقة، والمساهمة في منع انفجار التوتر الإثيوبي الإريتري. لكن نجاح هذا التحرك يتطلب أن تتبعه اتصالات مستمرة وخطوات عملية لخفض التصعيد، لا أن يبقى مجرد موقف سياسي داعٍ إلى التهدئة.
أما النزاع حول سد النهضة، فلا يبدو أن حله ممكن عبر التهديدات المتبادلة وحدها. فمصر تحتاج إلى ضمانات موثوقة لأمنها المائي، وإثيوبيا تتمسك بحقها في التنمية وتوليد الكهرباء. وبين الموقفين، تظل التسوية القائمة على قواعد واضحة وملزمة الخيار الأكثر قابلية للاستمرار.






