يُشكل الإعلان الحكومي العراقي عن اكتمال الانسحاب النهائي للتحالف والقوات القتالية واللوجستية الأميركية نقطة تحول جيوسياسي حاسمة، تنهي مرحلة التواجد العسكري المباشر التي أُعيد تثبيتها عام 2014 بطلب من بغداد لمواجهة تنظيم “داعش”. يضع هذا التطور، الذي يأتي تنفيذاً للجدول الزمني المبرم بين البلدين عام 2024 وتطال أثاره نحو 2500 جندي أميركي، المؤسسة الأمنية والسياسية العراقية أمام اختبار السيادة الكاملة؛ إذ تتزامن عملية الإخلاء مع اشتعال المواجهة الإقليمية مع إيران، وتصاعد التهديدات الأمنية الهجينة التي تفرضها الخلايا النشطة لتنظيم الدولة.
أبعاد الإخلاء وتفكيك التواجد العسكري
إنهاء الانتشار الميداني: شملت العملية المغادرة الكاملة لجميع القوات القتالية ووحدات الدعم اللوجستي، لتطوي بذلك صفحة الانتشار المباشر للجيش الأميركي الذي أعاد تموضعه بالبلاد عقب الغزو الشهير في 2003 والانسحاب الأول في 2011.
إخلاء النقاط الارتكازية الثلاث: تضمن الجدول الإجرائي تفكيك ونقل الصلاحيات العسكرية في المراكز الرئيسية التي توزعت عليها القوات الأميركية مؤخراً، وشملت قاعدة أربيل في إقليم كردستان، والموقع العسكري المتاخم لمطار بغداد الدولي، ومقرات الدعم داخل المنطقة الخضراء.
غياب التأكيد الرسمي لواشنطن: ورغم تصريحات المسؤول العراقي التي تؤكد اكتمال العملية ميدانياً، يظل الموقف الأميركي محتفظاً بالصمت دون صدور بيان رسمي من وزارة الدفاع (البنتاغون)، مما يشي برغبة واشنطن في إبقاء هوامش مناورة لوجستية أو ترتيبات أمنية غير معلنة.
التحديات الأمنية ومخاطر الفراغ الميداني
اختبار الصمود أمام “داعش”: رغم إعلان الهزيمة العسكرية للتنظيم عام 2017، لا تزال خلاياه النائمة تشن هجمات مباغتة، مما يضع كفاءة الجاهزية الاستخباراتية والجوية للجيش العراقي تحت الامتحان المستقل بعد غياب الإسناد الأميركي المباشر.
الارتهان للحرب الإيرانية الأميركية: يأتي الانسحاب في ذروة الانكشاف الأمني الناجم عن الحرب والتصعيد الإقليمي مع إيران، والذي شهد مؤخراً استهدافات متكررة لمنشآت وقواعد أميركية وأهداف تابعة للقوات الكردية، مما يرفع احتمالات تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات.
سحب ذرائع الفصائل المسلحة: يضع الخروج الكامل للجنود الأميركيين الفصائل العرقية المسلحة أمام ضغط سياسي وشعبي متزايد لتسليم السلاح وحصره بيد الدولة، بعد زوال المبرر الرئيسي المتمثل في “وجود القوات الأجنبية”.
إعادة هيكلة النفوذ الأميركي في المنطقة
الانتقال من الصدام إلى الشراكة التأطيرية: تُحاول واشنطن نقل علاقتها مع بغداد من عبء الانتشار العسكري المباشر عالي التكلفة إلى صيغ التعاون الأمني والاستخباراتي عبر الأطر الدبلوماسية الرسمية.
تخفيف الأهداف المكشوفة: يُسهم سحب الجنود من القواعد التكتيكية في تقليل بنك الأهداف المعرضة للاستهداف المباشر من قِبل الطائرات المسيّرة والصواريخ باليستية في القواعد العراقية، مع نقل ثقل الوجود العسكري نحو القواعد الإقليمية المجاورة.
يُظهر اكتمال الانسحاب الأميركي أن العراق يدخل مرحلة مكشوفة من الاعتماد على الذات في إدارة توازناته الأمنية؛ فبينما يمنح الخروج القيادة العراقية فرصة لتكريس السيادة الوطنية وسحب فتايل التوتر الداخلي، فإنه يضعها في الوقت ذاته في مواجهة مباشرة مع استحقاقات حماية الاستقرار، وردع خلايا الإرهاب، وتحييد البلاد عن أتون المواجهة الإقليمية المحتدمة.






