في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تجد حركة “حماس” نفسها أمام مأزق تفاوضي معقّد، تتداخل فيه الاعتبارات الميدانية مع الحسابات السياسية، بينما تتقدّم فكرة “الصفقة الشاملة” التي باتت الحركة تتبنّاها كخيار إستراتيجي للخروج من نفق الحرب المظلم. غير أن هذه الصفقة تصطدم بعقبات جوهرية، أبرزها الشرط الإسرائيلي بنزع سلاح الفصائل، وهو ما يضع الحركة أمام خيارات بالغة الحساسية قد تغيّر معادلة المقاومة برمّتها.
خلفيات المقترح الإسرائيلي وإخفاق جهود الوساطة
المقترح الإسرائيلي الأخير، الذي تسلّمته قيادة “حماس” عبر الوسطاء، يقدّم ملامح صفقة “مرحلية” تُفضي إلى وقف تدريجي لإطلاق النار مقابل تنازلات أمنية، في مقدمتها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وبقاء الاحتلال في أجزاء من القطاع إلى حين تنفيذ بنود الاتفاق. هذا الطرح، الذي حظي ببعض محاولات التليين من الوسطاء، لم يُحدث أي اختراق في المواقف، لا سيما أن قيادة “حماس” – بعد تدارسها مع الفصائل الفلسطينية الأخرى – اعتبرت الشروط المطروحة متناقضة مع جوهر المقاومة، وترتّب أثمانًا استراتيجية يصعب القبول بها حتى في أعتى ظروف الحرب.
فشلت جهود التقريب، ليس فقط بسبب التباعد في الرؤى، بل لأن إسرائيل تتعامل مع السلاح الفلسطيني كجذر المشكلة وليس كنتيجة للعدوان. وهنا يكمن جوهر التباين، فبينما تصرّ “حماس” على وقف إطلاق نار شامل وانسحاب كامل من القطاع، تسعى تل أبيب إلى ضمان أمنها من خلال تحييد المقاومة وتفكيك بناها العسكرية.
نزع السلاح: شرطٌ أمني أم ورقة إملاء سياسي؟
بالنسبة لإسرائيل، يمثّل نزع السلاح الهدف النهائي لأي تسوية مع “حماس”. وهو ما يعكس فهماً أمنياً صرفاً للصراع، يتجاهل الأبعاد السياسية والاجتماعية التي شكّلت البيئة الحاضنة للمقاومة في غزة. لكن بالنسبة للفصائل الفلسطينية، فإن هذا الشرط يُعد بمثابة نزع لحق الدفاع عن النفس، وتحويل المقاومة من فاعل سياسي وعسكري إلى كيان هش لا يمتلك أدوات الضغط في حال تنصّلت إسرائيل من التزاماتها، كما حدث مرارًا في اتفاقيات سابقة.
من هنا، ترى “حماس” أن قبولها بمبدأ نزع السلاح لا يُعدّ تنازلًا مرحليًا بقدر ما هو انهيار شامل للبنية السياسية التي تقوم عليها الحركة. السلاح، في هذا السياق، ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو امتداد لمعادلة الردع، وركيزة لمكانة “حماس” في المشهد الفلسطيني.
الضغوط الداخلية والخارجية في ميزان القرار
ما يزيد من تعقيد المشهد أن قيادة “حماس” تواجه ضغوطاً من أكثر من جهة: من جهة أولى، هناك المجتمع الغزي المنهك من الحرب والذي يتطلع إلى أي أفق لوقف إطلاق النار؛ ومن جهة ثانية، هناك الفصائل الأخرى التي قد تختلف في تكتيكاتها، لكنها تتقاطع مع “حماس” في رفض فكرة تجريد المقاومة من سلاحها؛ ومن جهة ثالثة، تقف الأطراف الإقليمية والدولية التي تضغط من أجل صفقة، بغض النظر عن توازناتها، حفاظًا على الاستقرار أو حماية لمصالحها الخاصة.
هذه التركيبة تجعل من “الصفقة الشاملة” التي تقترحها “حماس” محاولة لفرض منطق الندية، حيث يتم التفاوض على كل شيء دفعة واحدة: وقف إطلاق نار دائم، انسحاب شامل، تبادل أسرى، ورفع للحصار، دون الدخول في التفاصيل التي تستبطن إملاءات أحادية. غير أن إسرائيل، وعلى ضوء تصريحات مسؤوليها، لم تُبدِ أي مرونة حقيقية، بل واصلت استخدام لغة المشروطية الأمنية التي تتنافى مع روح التسويات المتوازنة.
خاتمة: الطريق المسدود والخيارات الصعبة
في غياب رؤية دولية قادرة على فرض صيغة عادلة تضمن الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين، يبدو أن ملف التفاوض يراوح مكانه، وأن الرهان على نزع سلاح المقاومة كمدخل لإنهاء الحرب سيظل مرفوضًا من قبل “حماس”، ليس فقط لأسباب مبدئية، بل لحسابات سياسية وواقعية تدرك أن الاحتلال لا يمنح مكاسب مقابل تنازلات، بل يفرض وقائع ميدانية في ظل الغياب العربي والدولي.
لذلك، فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا ينطلق من قاعدة التوازن في المطالب، لن يكون سوى هدنة هشة جديدة، تعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيدًا، وتفتح الباب لمواجهات مستقبلية لا تقل دموية عن الحرب الجارية.






