تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تنطلق جولة مفاوضات حساسة بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، وسط أجواء مشحونة بإرث طويل من الشكوك والتوترات المتراكمة بين الجانبين.
وتأتي هذه المحادثات في توقيت دقيق، بعد هدنة مؤقتة أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ما يمنح المسار الدبلوماسي فرصة محدودة لاختبار إمكانية التهدئة.
ورغم الطابع الدبلوماسي للمفاوضات، فإن الخلفية السياسية والأمنية المعقدة للعلاقة بين واشنطن وطهران تلقي بظلالها الثقيلة على مجريات الحوار، حيث لا تزال ذاكرة الأزمات السابقة، والاتهامات المتبادلة، حاضرة بقوة في مواقف الطرفين.
تحذيرات متبادلة: “الخداع” عنوان المرحلة
وقبيل انطلاق مفاوضات إسلام آباد، أطلق نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس تحذيرات واضحة لإيران، مؤكداً أن بلاده تتطلع إلى مفاوضات “إيجابية”، لكنها لن تقبل بأي محاولات “للخداع أو التحايل”.
هذه التصريحات عكست مستوى الحذر الأميركي، ووضعت سقفاً صارماً للتوقعات من الحوار.
في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد، إذ شدد مساعد وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانتشي على أن بلاده ترحب بالدبلوماسية، لكنها ترفض الدخول في مفاوضات قائمة على “معلومات مضللة” أو تُستخدم كغطاء لتمهيد أي عمل عدائي جديد.
ويعكس هذا التراشق السياسي حالة انعدام الثقة التي تسبق حتى الجلوس إلى طاولة التفاوض.
رسائل متعددة الاتجاهات
ويقود الوفد الأميركي نائب الرئيس جي. دي. فانس، ويضم شخصيات بارزة من بينها مبعوث الرئيس ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، اللذان سبق أن شاركا في جولات تواصل غير مباشرة مع إيران عبر وساطة عُمانية قبل اندلاع التوترات الأخيرة.
وعلى الجانب الآخر، يترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي، في إشارة إلى جدية طهران في التعاطي مع هذه الجولة، رغم تحفظاتها المعلنة.
ويحمل تشكيل الوفدين دلالات سياسية واضحة، تعكس رغبة الطرفين في تحقيق اختراق محتمل، دون تقديم تنازلات مجانية، وهو ما يجعل المفاوضات أقرب إلى اختبار نوايا منه إلى تسوية جاهزة.
شروط مسبقة تعقّد المشهد التفاوضي
ولم تُخفِ إيران تمسكها بشروط محددة قبل الانخراط الكامل في المفاوضات، إذ ربط قاليباف بدء المحادثات بتنفيذ خطوتين أساسيتين: وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وتعكس هذه الشروط محاولة طهران استخدام أوراق الضغط المتاحة لتحسين موقعها التفاوضي.
وفي المقابل، لم يصدر موقف أميركي واضح بشأن هذه المطالب، ما يفتح الباب أمام احتمالات التعثر المبكر، أو الدخول في مفاوضات مطوّلة تتخللها مساومات معقدة.
مفاوضات غير مباشرة
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات ستُجرى في مرحلتها الأولى بشكل غير مباشر، حيث يجلس كل وفد في غرفة منفصلة، ويتولى الوسطاء الباكستانيون نقل الرسائل بين الجانبين. هذا النمط يعكس استمرار الحذر، لكنه يتيح في الوقت نفسه مساحة لتخفيف التوتر.
ورغم ذلك، تلوح في الأفق إمكانية عقد لقاء مباشر بين الوفدين، إذا ما أحرزت المحادثات تقدماً ملموساً، وهو ما تأمل إسلام آباد أن يتحول إلى حدث تاريخي يُسجَّل كاختراق في واحدة من أعقد الأزمات الدولية.
وفي المحصلة، تمثل مفاوضات إسلام آباد اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية على تجاوز إرث طويل من الصراع وعدم الثقة. فإما أن تنجح في فتح نافذة جديدة للحوار، أو تعيد إنتاج دائرة التصعيد التي لطالما حكمت العلاقة بين واشنطن وطهران.
وبين التحذيرات المتبادلة، والشروط المسبقة، والآمال المعلّقة، تبقى النتيجة مرهونة بمدى استعداد الطرفين للانتقال من لغة الشك إلى منطق التفاهم، في لحظة قد تعيد رسم ملامح التوازن في المنطقة بأسرها.




