تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية مع انطلاق الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وسط أجواء مشحونة بالحذر والتشكيك في فرص تحقيق اختراق حقيقي.
اللقاء المرتقب، الذي تستضيفه وزارة الخارجية الأميركية، يجمع ممثلين دبلوماسيين من الجانبين في محاولة لإعادة فتح قنوات التفاهم، ولو بشكل محدود، بعد أشهر من التوترات الميدانية والتصعيد غير المباشر.
ورغم أهمية انعقاد هذه الجولة بحد ذاتها، فإن التوقعات لا تزال منخفضة، في ظل فجوة عميقة في المواقف السياسية والعسكرية، وغياب مؤشرات واضحة على استعداد أي طرف لتقديم تنازلات جوهرية.
تل أبيب: تثبيت الواقع الميداني
في إسرائيل، تعكس التصريحات الرسمية توجهاً واضحاً نحو التمسك بالوضع القائم، لا سيما في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني.
وتخشى القيادة الإسرائيلية من أن أي اتفاق محتمل قد يفرض عليها الانسحاب من هذه المناطق دون الحصول على ضمانات صارمة تتعلق بنزع سلاح «حزب الله» أو الحد من نفوذه العسكري.
ويعكس هذا الموقف قلقاً أمنياً عميقاً لدى تل أبيب، التي ترى أن أي فراغ أمني قد يُستغل لإعادة تموضع الحزب وتعزيز قدراته، ما قد يعيد التوتر إلى نقطة الصفر، أو حتى يدفع نحو مواجهة أوسع.
بيروت: هواجس داخلية
في المقابل، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً في لبنان، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية. فبيروت الرسمية تدخل المفاوضات وهي محاطة بهواجس متعددة، أبرزها احتمال فشل المحادثات نتيجة تصلب المواقف، أو نجاحها بطريقة تفرض أثماناً سياسية وأمنية داخلياً.
ويبرز موقف «حزب الله» كأحد أبرز العوامل المؤثرة، إذ يرفض الحزب بشكل قاطع أي طرح يتضمن نزع سلاحه أو فرض ترتيبات أمنية جديدة تقلص من حضوره في الجنوب.
هذا الرفض لا يضعف فقط موقف الوفد اللبناني التفاوضي، بل يهدد أيضاً بإفشال أي اتفاق محتمل حتى لو تم التوصل إليه على الطاولة.
عقدة «السلاح مقابل الانسحاب»
وتشكل معادلة «السلاح مقابل الانسحاب» العقدة الأساسية في هذه المفاوضات، حيث تصر إسرائيل على ربط أي انسحاب بضمانات أمنية واضحة، فيما يرفض «حزب الله» ومن خلفه جزء كبير من المشهد السياسي اللبناني هذه الشروط بشكل كامل.
هذا التعارض الجذري يضع المفاوضات أمام اختبار صعب منذ لحظتها الأولى، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الوسطاء الدوليين على تقريب وجهات النظر أو تقديم صيغ وسطية قابلة للتطبيق.
من التهدئة إلى الانفجار
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو جميع السيناريوهات مطروحة، فقد تنجح المفاوضات في تحقيق تقدم محدود، يقتصر على إجراءات تهدئة ميدانية أو تفاهمات جزئية، دون الوصول إلى اتفاق شامل.
كما لا يُستبعد أن تنتهي الجولة الأولى إلى طريق مسدود، ما قد يعيد التصعيد إلى الواجهة، خاصة في المناطق الحدودية الحساسة.
وفي حال الفشل، قد تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لإعادة إحياء مسارات تفاوضية بديلة، أو احتواء التوتر عبر قنوات غير مباشرة، تفادياً لانزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة لا يرغب فيها أي من الأطراف، لكنها تبقى احتمالاً قائماً.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تمثل هذه المفاوضات بداية مسار سياسي جدي نحو التهدئة، أم أنها مجرد جولة شكلية لشراء الوقت وإدارة الأزمة؟
الإجابة ستتضح مع انطلاق الجلسات الأولى، لكن المؤكد أن الطريق أمام أي اتفاق لا يزال طويلاً وشائكاً، في ظل توازنات معقدة ومصالح متضاربة تتجاوز حدود لبنان وإسرائيل إلى حسابات إقليمية أوسع.




