تعيش كوبا أزمة مفتوحة لا تلوح لها نهاية في الأفق، إذ تحوّلت الحياة اليومية لمعظم سكان الجزيرة إلى معركة مستمرة من أجل البقاء، في ظل أسوأ انهيار اقتصادي تشهده البلاد منذ أكثر من ستة عقود. جوهر هذه الكارثة يتمثل في الانخفاض الحاد لشحنات النفط الفنزويلي المدعوم، الذي شكّل لعقود شريان الحياة الرئيسي للاقتصاد الكوبي، وذلك نتيجة تصعيد أمريكي واسع في منطقة الكاريبي، شمل حشدًا عسكريًا وفرض حصار جزئي على ناقلات النفط التي تنقل نحو 70 في المئة من الخام الفنزويلي.
وقد أدى هذا التصعيد إلى تداعيات إنسانية قاسية، تجلت في تفشي الجوع والأمراض، وتسارع موجات النزوح الجماعي للكوبيين الذين بات اليأس يطغى على حياتهم.
بلغت الأزمة ذروتها في 21 ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما استولى الجيش الأمريكي، بأمر مباشر من الرئيس دونالد ترامب، على ناقلة نفط كانت تحمل قرابة مليوني برميل من النفط الفنزويلي ومتجهة إلى كوبا. ولم يعد هذا الضغط مجرد ورقة في لعبة الجغرافيا السياسية، بل تحوّل إلى مسألة وجودية بالنسبة للكوبيين العاديين. ويحذر خبراء من أن توقف شحنات النفط الفنزويلي سيقود إلى انهيار شامل. ويقول خورخي بينيون، الأكاديمي الكوبي اللاجئ والباحث في شؤون الطاقة بجامعة تكساس في أوستن، لصحيفة وول ستريت جورنال: «سيؤدي ذلك إلى انهيار الاقتصاد الكوبي، بلا شك».
ولا يخفى اعتماد كوبا العميق على النفط الفنزويلي. فمنذ عام 1999، حين نسج الرئيس الراحل هوغو تشافيز تحالفًا وثيقًا مع هافانا، واصفًا البلدين بأنهما يسبحان «في بحر من السعادة»، بدأت فنزويلا تزويد كوبا بما يصل إلى 100 ألف برميل يوميًا. وفي المقابل، أرسلت هافانا آلاف الأطباء والمدربين الرياضيين وعناصر الاستخبارات إلى فنزويلا، ما عزز قبضة تشافيز، ثم لاحقًا قبضة خليفته نيكولاس مادورو على السلطة. واليوم، تراجعت هذه الإمدادات إلى نحو 30 ألف برميل يوميًا، لكنها لا تزال تمثل قرابة 40 في المئة من احتياجات كوبا النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء ووسائل النقل والمشاريع الصغيرة.
غير أن التدهور العميق للاقتصاد الفنزويلي في عهد مادورو قلّص قدرته على الاستمرار في دعم كوبا، فيما ساهم الحصار الأمريكي في تسريع هذا الانحدار. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن القوات الأمريكية أوقفت، في 20 ديسمبر/كانون الأول 2025، ناقلة نفط أخرى تُدعى «سنتشريز» عقب رسوها في فنزويلا. وقالت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية، كريستي نويم، إن خفر السواحل نفذ، بدعم من وزارة الدفاع، ما وصفه مسؤولون بـ«عملية تفتيش بالتراضي». في المقابل، أدانت الحكومة الفنزويلية هذه الخطوة ووصفتها بأنها «عمل إجرامي»، متعهدة باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي.
أما أثر هذه التطورات على كوبا، فكان بالغ القسوة. فقد انكمش الاقتصاد الكوبي بنحو 15 في المئة منذ عام 2018، بحسب الخبير الاقتصادي ريكاردو توريس بيريز، فيما بلغ التضخم التراكمي قرابة 450 في المئة بين عامي 2018 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025. وانهارت قيمة البيزو الكوبي في السوق السوداء، ليصل سعر الصرف إلى نحو 450 بيزو مقابل الدولار، مقارنة بـ30 بيزو فقط عام 2020. وتشير تقديرات مرصد الحقوق الاجتماعية إلى أن نحو 90 في المئة من الكوبيين يعيشون اليوم في فقر مدقع، فيما يحرم 70 في المئة منهم من وجبة واحدة على الأقل يوميًا.
وبات انقطاع التيار الكهربائي لفترات تصل إلى 18 ساعة أو أكثر أمرًا معتادًا في بعض المناطق، ما يضطر العائلات إلى النوم في العراء تحت حرارة خانقة. ويتدهور الوضع الصحي بسرعة، مع تراكم القمامة، وشح المياه، وتعطل أنظمة الصرف الصحي، وانتشار أمراض معدية مثل حمى الضنك والشيكونغونيا. كما حُرم آلاف الأطفال من الذهاب إلى المدارس، في وقت تكاد فيه المستشفيات والمؤسسات العامة الأخرى تتوقف عن العمل.
وأفضت هذه الظروف إلى نزوح جماعي غير مسبوق. فقد غادر أكثر من 2.7 مليون كوبي البلاد منذ عام 2020، أي ما يقارب ربع سكان الجزيرة، واتجه عدد كبير منهم إلى الولايات المتحدة. ويصف عالم الديموغرافيا خوان كارلوس ألبيزو كامبوس، المقيم في هافانا، ما يحدث بأنه «تآكل ديموغرافي»، مضيفًا لصحيفة وول ستريت جورنال: «ما تمر به كوبا كارثة إنسانية لا نراها عادة إلا في الدول التي تشهد نزاعات مسلحة».
داخل البلاد، بات الأمل نادرًا. يقول تيد هينكن، أستاذ شؤون كوبا في كلية باروخ بنيويورك، إن «الوضع قاتم ويائس للغاية، وقد تبدد الأمل بالكامل، والناس يتوقون إلى الخروج». أما لويس روبلز، السجين السياسي السابق الذي فرّ مؤخرًا إلى إسبانيا، فيصف حال الكوبيين العاديين بأنه «صعب إلى حد لا يُحتمل»، مشيرًا إلى غياب الغذاء والدواء وتعطل المدارس والمستشفيات، ومضيفًا: «إنها كارثة بكل معنى الكلمة».
وبالنسبة لمن لديهم أقارب في الخارج قادرون على إرسال الدولارات، تصبح الحياة أكثر احتمالًا نسبيًا، لكن موظفي الدولة، الذين لا تتجاوز رواتبهم بضعة دولارات شهريًا، يواجهون واقعًا قاسيًا. ويُظهر استطلاع لمرصد الحقوق الاجتماعية أن 78 في المئة من الكوبيين يعتزمون مغادرة الجزيرة إذا أُتيحت لهم الفرصة.
وقد اعترفت الحكومة الكوبية، برئاسة ميغيل دياز كانيل، بخطورة الوضع. وقال الرئيس الكوبي في خطاب أمام الجمعية الوطنية في ديسمبر/كانون الأول 2025: «هناك نقص حاد في المواد الأساسية. يجب أن ندرك الحاجة الملحة للتقدم نحو الاستقرار الاقتصادي الكلي… فبدون كفاءة اقتصادية، لا يمكن تحقيق السيادة».
ورغم عمق الأزمة، لا تزال الحكومة مترددة في توسيع نطاق الأعمال الخاصة الصغيرة، وهي خطوة يرى بعض المشرعين أنها ضرورية للخروج من المأزق. في المقابل، تواصل أجهزة الاستخبارات الكوبية نشاطها في فنزويلا، في مسعى للحفاظ على بقاء نظام مادورو. وكما قال الدبلوماسي الأمريكي السابق توماس شانون جونيور: «الكوبيون لن يستسلموا بسهولة».
أما في واشنطن، فيُنظر إلى الحصار على أنه جزء من استراتيجية أوسع. فقد برر الرئيس ترامب هذه الحملة بمكافحة تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، مدعيًا أن إدارته قضت على 94 في المئة من تهريب المخدرات عبر البحر وخفّضت العبور غير القانوني للحدود إلى الصفر. وتستهدف الضغوط على ناقلات النفط، إلى جانب الحشد العسكري والعزلة الدبلوماسية، إضعاف نظام مادورو، ومن ثم تقويض الدعم الذي يقدمه لكوبا.
لكن بالنسبة للكوبيين على الأرض، تُترجم هذه الحسابات الجيوسياسية إلى رفوف فارغة، وبطون خاوية، وأحياء تفرغ من سكانها مع هجرة الأقارب والجيران. يقول الناشط من هافانا، مانويل كويستا موروا: «إنه وضع وجودي. نحن بالكاد نصمد يومًا بيوم».
ومع اشتداد الحصار وتآكل شريان الحياة النفطي، تقف كوبا اليوم على حافة الهاوية، بينما يتحمل شعبها كلفة أزمة تشكّلت بفعل قوى تتجاوز قدرتهم على التأثير أو التحكم.






