قرار الحكومة الإسرائيلية بالمضي قدماً في مخطط البناء في منطقة E1 والمصادقة على إقامة مستوطنة جديدة تحت اسم “عشأهل” لا يمكن اعتباره مجرد خطوة تخطيطية أو تطوير عمراني، بل هو تحول استراتيجي يحمل أبعاداً سياسية وجغرافية عميقة. فالمنطقة التي تربط بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس الشرقية، تعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية، إذ أن البناء فيها يقطع فعلياً أوصال الأراضي الفلسطينية، ويفصل شمال الضفة عن جنوبها، مما يضرب في الصميم أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
توسع استيطاني تقليدي
هذا القرار يعكس بوضوح توجهاً إسرائيلياً للتعامل مع مشروع “حل الدولتين” كخيار ميت وغير قابل للتطبيق. فالخطاب الذي عبّر عنه وزير المالية ووزير الدفاع بتسلئيل سموتريتش يوضح أن الخطوة ليست مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل إعلان صريح لإلغاء أي أفق سياسي مع الفلسطينيين، واستبداله برؤية “السيادة الإسرائيلية الكاملة” على الضفة الغربية. من الناحية العملية، يعني ذلك أن الحكومة الحالية لا ترى في الضغوط الدولية أو التحذيرات الأوروبية والأمريكية حاجزاً أمام تحقيق مشروعها الاستيطاني.
كما تكشف الموافقة النهائية عن استغلال واضح للظروف الراهنة، حيث يجري تمرير المخططات تحت غطاء الحرب في غزة والتوتر الإقليمي، بما يقلل من قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغط فعّال. فبينما ينشغل العالم بالأزمة الإنسانية المستمرة، تفرض إسرائيل واقعاً جديداً على الأرض قد يصبح من الصعب التراجع عنه في المستقبل.
وتبرز هنا إشكالية أخرى وهي أن القرار لا يقتصر على تعزيز الاستيطان، بل يكرس واقع “الدولة الواحدة” بحكم الأمر الواقع، ولكن بصيغة غير متكافئة، أي دولة إسرائيلية تهيمن سياسياً وعسكرياً وديموغرافياً، فيما يبقى الفلسطينيون في جزر معزولة بلا سيادة. وهذا ما حذرت منه منظمات مثل “السلام الآن” التي اعتبرت أن المشروع يكرّس نظام فصل عنصري، حيث تُبنى المستوطنات على حساب تقويض حقوق السكان الأصليين.
إعادة رسم خريطة الضفة الغربية
في هذا السياق، فإن الخطوة تحمل رسائل متعددة؛ فهي موجهة للفلسطينيين باعتبار أن الدولة المستقلة لم تعد خياراً مطروحاً، وموجهة أيضاً للداخل الإسرائيلي عبر إرضاء اليمين المتشدد الذي يرى في الاستيطان ضمانة لعدم تقديم أي تنازل مستقبلي، وموجهة للعالم الخارجي كتحدٍ سافر للمجتمع الدولي، مفاده أن إسرائيل تمضي في تنفيذ سياساتها الاستيطانية بغض النظر عن المواقف المعلنة من واشنطن أو بروكسل.
بناءً على ذلك، فإن هذه الخطوة لن تكون مجرد محطة عابرة في الصراع، بل ستسهم في إعادة رسم خريطة الضفة الغربية على نحو يجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر تعقيداً، وربما غير قابلة للنجاح. إذ بينما كانت منطقة E1 توصف سابقاً بأنها “خط أحمر” دولي، فإن تحويلها إلى مشروع استيطاني فعلي يؤكد أن إسرائيل قررت قلب الطاولة على أي مسار سياسي، والمضي قدماً نحو فرض واقع أحادي يطيح بما تبقى من فرص الحل السياسي.







