في خطوة مفاجئة وذات دلالات سياسية عميقة، ترأّس رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام جلسة لمجلس الوزراء، في السراي الحكومي، أطلق خلالها تصريحات وصفت بأنها «الأكثر صراحة» منذ تولّيه المنصب، إذ قال: «لن نسكت بعد اليوم عن وجود أي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية، وقد آن الأوان لإنهاء عصر تصدير الثورة الإيرانية إلى لبنان».
تصريحات سلام جاءت في سياق مداخلته حول ملف الأمن والاستقرار، مشدداً على أن مشروع بناء الدولة «يقتضي احتكارها الحصري للعنف المشروع»، وموضحاً أن «الازدواج في القرار العسكري لم يعد مقبولاً في جمهورية تُنتهك سيادتها يومياً».
تحفّظ واضح من «حزب الله»: رعد يعلّق بتحفّظ وينتظر اللقاء
رد «حزب الله» على تصريحات رئيس الحكومة لم يتأخر. ففي أول تعليق، قال رئيس كتلة الحزب النيابية، محمد رعد، بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزيف عون: «لا أريد التعليق على هذا التصريح حفاظاً على ما تبقى من ودّ»، مضيفاً: «سأصارحه في لقائنا المرتقب بكل ما لدي من ملحوظات».
وتشير مصادر مطلعة إلى أن اللقاء المنتظر بين رعد وسلام قد يكون مفصلياً في تحديد مسار العلاقة بين الطرفين في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن تصريح سلام يُفهم على أنه كسرٌ للمحرمات السياسية التي لطالما حكمت العلاقة بين الدولة و«حزب الله».
سلام يُعيد رسم الحدود: الأمن ليس شأناً فئوياً
بحسب مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط»، فإن رئيس الحكومة عبّر خلال الجلسة الوزارية عن «إرادة حكومية حاسمة لإعادة هيبة الدولة، ضمن مشروع متكامل يشمل ضبط الحدود، وإنهاء كافة المظاهر المسلحة غير الشرعية، والعمل على تسريع تطبيق القرار 1701 بكليّته، لا انتقائياً».
وأكدت المصادر أن سلام دعا إلى «تفعيل لجنة الحوار الوطني لإعادة النظر في الاستراتيجية الدفاعية»، مشدداً على أن «الأمن ليس شأناً فئوياً ولا طائفياً، بل مسؤولية وطنية جامعة».
الجيش اللبناني: العين على الحدود.. والقرار بيد الدولة
من جهة أخرى، نقلت مصادر متابعة أن اللقاء الذي جمع محمد رعد برئيس الجمهورية جوزيف عون تركز على «الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة والخروقات المتكررة»، إضافة إلى المطالبة بـ«انسحاب إسرائيل من المواقع الخمسة المحتلة، وإطلاق الأسرى اللبنانيين»، وهو ما أكده بيان رسمي صادر عن الرئاسة.
الرئيس عون شدد في اللقاء على «أولوية حماية السيادة اللبنانية»، مشيراً إلى «أهمية توحيد المرجعية العسكرية تحت سقف الدولة»، في ما فُهم على أنه تأييد ضمني لتوجّه سلام.
الساحة السياسية أمام منعطف حساس
ترى أوساط مراقبة أن تصريح نواف سلام قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية داخلية، إذا لم يُدار بحكمة، لاسيما أن حصر السلاح لطالما كان بنداً مؤجلاً في الحياة السياسية اللبنانية.
ومع أن سلام لم يسمِّ «حزب الله» مباشرة، إلا أن مضمون خطابه لم يترك مجالاً للتأويل، وهو ما يطرح أسئلة حول مدى قدرة الحكومة على ترجمة هذا التوجّه إلى خطوات عملية، في ظل التوازنات الدقيقة التي تحكم المشهد اللبناني.
هل يدخل لبنان فعلاً عصر الدولة؟
لا شك أن تصريح نواف سلام يمثّل تحوّلاً في الخطاب الرسمي اللبناني، ويعيد إلى الواجهة ملفاً شائكاً ظلّ مُجمّداً تحت شعار «الاستقرار أولاً». لكن مع هذا الموقف الجريء، يبرز سؤال أساسي: هل تملك الدولة اليوم ما يكفي من أدوات الفعل لتطبيق هذا الشعار، أم أنه سيبقى مجرد عنوان آخر في دفتر التمنيات الوطنية؟
وفي ظل ترقّب الشارع السياسي للقاء المنتظر بين سلام ورعد، يبقى لبنان على مفترق طرق: بين ترسيخ منطق الدولة أو العودة إلى منطق التوازنات الهشة.






