تُعد تصريحات وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلي نير بركات، الداعية إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونسف اتفاق أوسلو، مؤشراً بالغ الخطورة على تصعيد استراتيجي من جانب الحكومة الإسرائيلية اليمينية، يتجاوز مرحلة تقويض حل الدولتين إلى محاولة إلغاء أي شكل من أشكال الوجود السياسي الفلسطيني المعترف به دولياً. وعندما تأتي هذه التصريحات بالتزامن مع دعوات صريحة من وزراء آخرين لضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، فإن ذلك يعكس بوضوح أن المسألة لم تعد مجرد مزايدات داخلية، بل تتجه لتكون سياسة رسمية منهجية.
تصاعد في عنف المستوطنين
إن دعوة بركات لتفكيك السلطة الفلسطينية لا يمكن عزلها عن سياق أوسع من التحولات السياسية التي تعيشها إسرائيل، في ظل تصاعد نفوذ اليمين الديني القومي، الذي لا يخفي نواياه بإجهاض ما تبقى من العملية السياسية مع الفلسطينيين. هذا الطرح، في جوهره، لا يستهدف فقط مؤسسات السلطة الفلسطينية، بل يوجه ضربة قاصمة لأساس فكرة التسوية السياسية، ويعيد الصراع إلى نقطة ما قبل أوسلو، حين كانت إسرائيل تتعامل مع الأرض الفلسطينية كمنطقة مفتوحة للسيطرة دون شريك تفاوضي.
الخطير في هذه التصريحات أنها تتزامن مع تسارع ملموس في عمليات الضم الزاحف من خلال التوسع الاستيطاني، الذي بلغ ذروته بنهاية عام 2024، مع وجود نحو 770 ألف مستوطن في الضفة الغربية، موزعين على مئات المستوطنات والبؤر، وسط حماية عسكرية مباشرة، وتصاعد في عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين. وإذا أضفنا إلى ذلك الحملة العسكرية الواسعة التي شنتها إسرائيل شمال الضفة الغربية، والتي تسببت في تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين، فإن النتيجة هي عملية ميدانية منظمة تهدف إلى تفريغ الضفة من سكانها وإحلال واقع استيطاني دائم.
محو الهوية الوطنية الفلسطينية
كما لا يمكن تجاهل أن هذه التصريحات تأتي في وقت تواجه فيه حكومة الاحتلال أزمات داخلية حادة، سواء على صعيد الانقسامات السياسية أو على صعيد الانتقادات الدولية المتزايدة نتيجة الحرب المستمرة على غزة. ولذا، فإن التصعيد في الضفة، سواء بالتصريحات أو بالأفعال، يمثل وسيلة للهروب إلى الأمام، وصرف الأنظار عن الفشل السياسي الداخلي عبر خلق جبهة مواجهة جديدة.
رد المجلس الوطني الفلسطيني على هذه التصريحات، عبر رئيسه روحي فتوح، عبّر عن إدراك عميق لخطورة التوجه الإسرائيلي، باعتباره لا يستهدف فقط السلطة الفلسطينية، بل يطمح إلى محو الهوية الوطنية الفلسطينية من الأساس. ولعل أبرز ما في هذا الرد هو تحذيره من أن مثل هذه السياسات تمثل دعوة مفتوحة لانفجار جديد في المنطقة، وتقويضاً ممنهجاً لأي أمل في العودة إلى مسار تفاوضي جاد.
إن دعوة بركات وما تبعها من رسالة موقعة من 14 وزيراً، بينهم رئيس الكنيست نفسه، تشير إلى أن فكرة ضم الضفة الغربية لم تعد مجرد حلم يميني متطرف، بل مشروع سياسي يحظى بدعم رسمي واسع داخل الدولة العبرية. وهو ما يتطلب تحركاً عاجلاً على المستوى الدولي، ليس فقط بإصدار بيانات الإدانة، بل بفرض أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل، تشمل العقوبات والمساءلة، خاصة في ضوء المواقف الواضحة التي تتبناها الأمم المتحدة باعتبار أن الاستيطان غير قانوني، ويُقوّض حل الدولتين.
تفكيك اتفاق أوسلو
المجتمع الدولي مطالب اليوم بموقف أكثر حزماً، لأن الصمت أو الاكتفاء بالتصريحات يفتح الباب أمام ترسيخ واقع الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويمنح إسرائيل مزيداً من الغطاء للاستمرار في سياساتها الإقصائية. فإلغاء السلطة وتفكيك اتفاق أوسلو، مع فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، يعني ببساطة نهاية أي مشروع لحل سياسي، وفتح الأبواب أمام صراع مفتوح لا أفق له، ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود فلسطين.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ماسة إلى تحرك فلسطيني موحد، يتجاوز الانقسامات، ويرتكز على خطاب سياسي جديد يعيد القضية إلى عمقها التحرري، باعتبار أن ما يجري على الأرض ليس مجرد تعطيل لعملية السلام، بل محاولة جدية لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية برمتها.







