ربما تمثّل هذه التطورات نقطة تحوّل في الحرب التي يخوضها بنيامين نتنياهو ضد غزة، والتي تصفها جهات عديدة بأنها حرب إبادة جماعية. ففي العاشر من أبريل/نيسان، نُشرت عريضة وقّع عليها نحو ألف جندي احتياطي ومتقاعد من سلاح الجو الإسرائيلي، إحدى أكثر الوحدات مكانة وتأثيرًا في الجيش، وجاء في نصها:
“الحرب في الوقت الحالي تخدم مصالح سياسية وشخصية أكثر من كونها تحقق أهدافًا أمنية. استمرارها لا يُسهم في تحقيق أهدافها المعلنة، بل يؤدي إلى مقتل المختطفين، وجنود الجيش، والمدنيين الأبرياء، فضلًا عن إنهاك قوات الاحتياط”.
صرّح الكابتن المتقاعد جاي بوران، أحد محرّكي هذه العريضة، بأن الرسالة تعبّر عن مخاوف حقيقية داخل صفوف العسكريين السابقين.
وقد أثارت هذه الرسالة ضجة كبيرة داخل إسرائيل، لكون سلاح الجو يمثل ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، التي تبدأ عادة بقصف مكثّف قبل الدفع بالقوات البرية، وهو ما جرى في غزة منذ الأشهر الأولى للحرب، وكذلك في لبنان.
احتجاجات متزايدة وتضامن واسع
لم تقتصر الاحتجاجات على هذه العريضة، بل تبعتها تحركات مشابهة من جنود احتياط في وحدات أخرى، منها نحو 1500 من سلاح الدبابات، وخريجو برامج نُخبوية مثل “تلبيوت”، و”الوحدة 8200” المتخصصة في الحرب السيبرانية، وكذلك من خريجي كلية الدفاع الوطني.
وجّه ضباط الاحتياط في سلاح البحرية رسائل مفتوحة إلى رئيس الوزراء وأعضاء الكنيست وقيادة الجيش والرأي العام الإسرائيلي، قالوا فيها:
“لم تتحقق أهداف الحرب: لا تحرير الرهائن ولا استعادة الأمن. نطالب بإنهاء الحرب. نحن من يتحمّل العبء، وعليكم تقع المسؤولية”.
وحتى وحدات الاستخبارات العسكرية انضمت إلى هذه الحملة، مشيرة إلى أن استمرار الحرب يخدم مصالح ضيقة لا أمنية، ويزيد من حالات العصيان، ويهدد بتآكل منظومة الاحتياط العسكرية.
قلق متصاعد في أوساط السلطة
لم تتوقف موجة الاحتجاجات عند العسكريين. فقد وقّع نحو ألفي أستاذ جامعي على عريضة داعمة للطيارين الرافضين للامتثال، وجاء فيها أن الحرب لم تعد تحقق أهدافًا أمنية بل أصبحت تخدم حسابات سياسية.
وهذا ما أقلق القيادة العسكرية والسياسية العليا في إسرائيل. فقد دعا رئيس أركان الجيش الجديد، الفريق إيال زامير، القيادة السياسية إلى “التحرّر من بعض الأوهام بشأن الحرب على غزة”. ونقل موقع “واي نت” الإخباري عن مصادر مطّلعة أن زامير لا يحرّف الوقائع لصالح السياسيين، بل يحذّرهم من حقائق ميدانية قاسية.
وكان زامير نفسه قد كُلّف بوضع خطط لهجوم شامل على قطاع غزة. لكنه نبّه مؤخرًا إلى نقص كبير في الجنود المقاتلين، وإلى أن طموحات الحكومة قد تكون غير قابلة للتحقيق، بسبب المعطيات الواقعية على الأرض.
ويشير التقرير إلى أن خطة “أورانيم الصغيرة”، التي ينفّذها الجيش منذ أكثر من شهر، تستهدف مناطق محددة داخل غزة، مع توسيع المنطقة العازلة قرب الحدود، بعيدًا عن الأهداف الكبرى المعلنة سابقًا. ويهدف ذلك إلى الضغط على حماس من أجل التوصل إلى صفقة رهائن جزئية في المستقبل القريب، لكن الأمر قد يستمر عدة أشهر أخرى.
استراتيجية نتنياهو على المحك
يرى البعض أن هذه الاحتجاجات تدافع فقط عن حياة الرهائن الإسرائيليين، متجاهلة الإبادة الجماعية الجارية في غزة. ورغم أن حماية المدنيين الفلسطينيين ليست في صلب النقاش العام الإسرائيلي، فإن هذه المسألة بدأت تظهر بشكل غير مباشر من خلال التشكيك في نهج نتنياهو.
أشار موقع Ynet إلى تراجع مشاركة جنود الاحتياط في الوحدات القتالية، التي لم تتجاوز 60 إلى 70% في أحسن الأحوال، ما دفع القادة العسكريين إلى التعبير عن قلقهم العميق من أن تتكرر هذه الظاهرة في حال نشوب مواجهة حقيقية. وقد يشكل ذلك تحديًا داخليًا يفوق في خطورته استنكار المجتمع الدولي.
وبدأت هذه الحركة تتقاطع مع موجة الاحتجاجات الجماهيرية التي خرجت عام 2023 ضد مشروع نتنياهو لإصلاح القضاء، وهي الخطة التي سعت للحد من سلطات المحكمة العليا، بهدف الالتفاف على محاكمته بقضايا فساد، وفتح الطريق لضمّ الضفة الغربية وغزة بشكل كامل.
حتى في ذلك الوقت، هدد طيارو الاحتياط بعدم الامتثال. وبعد التزامهم بالخدمة عقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عادوا اليوم إلى المعارضة، وأصبح المجتمع الإسرائيلي كله في حالة تأهب. وبدأت تترسّخ قناعة لدى الكثيرين بأن إطلاق سراح الرهائن لا يتحقق بالتصعيد، بل بوقف هذه المذبحة، وأن الاحتلال هو أصل النزاع.






