قبل أن تُعلن خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، كانت أنقرة قد بدأت تتقدّم من الهامش إلى قلب المعادلة. فخلال الأسابيع السابقة للاتفاق، شاركت ضمن ثماني دول عربية وإسلامية في مشاورات نيويورك، ثم حضرت قمة شرم الشيخ كـ«ضامن» للاتفاق، وهو موقع غير مسبوق لتركيا في الملف الفلسطيني منذ انهيار مفاوضات أنابوليس قبل أكثر من عقد.
بحسب ما أكده ترمب نفسه، فإن أنقرة لعبت دورًا حاسمًا في تليين موقف حماس، أو على الأقل في ثنيها عن الاعتراض العلني على الخطة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة تركية لاستعادة دورها كوسيط مقبول لدى واشنطن، بعد سنوات من التوتر الحاد بسبب ملفات سوريا والناتو وشرق المتوسط.
لكن هذا التحرك سرعان ما وضع تركيا في مرمى الشكوك الإسرائيلية، إذ أعلن نتنياهو بوضوح أن «الوجود الأمني التركي في غزة خط أحمر». وفي الخلفية، تقرأ إسرائيل أي انخراط تركي ليس بصفته مساهمة في الاستقرار، بل محاولة لتوسيع النفوذ التركي في قلب الميدان الفلسطيني، ما يهدد احتكارها الأمني ويقوّض رؤيتها للترتيبات ما بعد الحرب.
فيتو إسرائيلي ومخاوف عميقة من “النفوذ المعنوي” التركي
ليس الرفض الإسرائيلي مسألة عسكرية بحتة، بل سياسية وأيديولوجية في آن واحد. فأنقرة بالنسبة لتل أبيب تمثل محورًا مناهضًا لها في أكثر من ساحة — من غزة إلى سوريا ومن شرق المتوسط إلى الأمم المتحدة.
فخلال حرب الإبادة الأخيرة، كانت تركيا من أكثر الدول جرأة في توصيف ما يجري بأنه «جرائم ضد الإنسانية»، وتقدّمت بدعاوى أمام محكمة العدل الدولية، كما أوقفت التعامل التجاري مع إسرائيل وأعادت السفير التركي من تل أبيب.
هذا التوتر المتراكم جعل من مشاركة أنقرة في «قوات الاستقرار» أمرًا مرفوضًا مبدئيًا، ليس فقط لأنها تملك علاقات مع حماس، بل لأنها تملك — في الوعي الإسرائيلي — قدرة رمزية على إعادة تسييس ملف غزة خارج السردية الأمنية التي تسعى تل أبيب لفرضها.
إسرائيل تريد لقوات ما بعد الحرب أن تكون أداة للسيطرة لا للوساطة، أي أن تعمل على تفكيك البنية العسكرية للمقاومة ونزع السلاح وكشف الأنفاق.
أما تركيا، ومعها عدد من الدول العربية، فترى أن مهمة هذه القوات يجب أن تقتصر على مراقبة الهدنة وفصل القوات تحت مظلة الأمم المتحدة، وهو ما يضع الفارق بين الرؤيتين في خانة التناقض البنيوي لا التكتيكي.
واشنطن بين “الفيتو الإسرائيلي” وضرورات التحالف
توازن هشّ بين الواقع والممكن
الراجح أن الفيتو الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في غزة حقيقي لكنه ليس مطلقًا. فهو يعكس ميزان القوى الحالي لا قاعدة ثابتة في السياسة. فالإدارة الأميركية، التي صاغت تفاصيل اتفاق وقف النار، تمتلك بحكم مركزها كـ”الضامن التنفيذي” صلاحية إعادة تفسير البنود وتوسيعها أو تضييقها وفق المستجدات الميدانية والدبلوماسية. لذلك، من غير المستبعد أن تضغط واشنطن في مرحلة لاحقة لقبول دور تركي غير قتالي — في التدريب، أو المراقبة، أو الدعم اللوجستي والإغاثي — لتجنّب استبعاد أنقرة كليًا من المشهد الإقليمي، خصوصًا إذا أرادت توظيف نفوذها في ملف إعادة الإعمار أو إدارة المعابر.
ومع ذلك، تبقى العقبة الأعمق هي البعد النفسي والسياسي للعلاقة بين أنقرة وتل أبيب. فالمسافة بين الطرفين ليست مسألة ترتيبات أمنية، بل نتيجة تراكم طويل من العداء الأيديولوجي والتنافس الجيوسياسي.
منذ حادثة «مرمرة» عام 2010 مرورًا بالحروب المتكررة على غزة، لم تنجح محاولات التطبيع في محو الشك المتبادل. إسرائيل ترى في تركيا قوة تسعى لإعادة تعريف الشرق الأوسط من منظور إسلامي-قومي يناقض سرديتها، فيما ترى أنقرة في إسرائيل كيانًا يسعى إلى احتكار الشرعية في تمثيل «الاستقرار الإقليمي» تحت مظلة أميركية. هذه المعادلة تجعل أي تقاطع بينهما هشًا، وأي تعاون مؤقتًا ومرهونًا بالضرورة السياسية لا بالثقة المتبادلة.
في المحصلة، تحوّلت غزة إلى مختبر إقليمي مفتوح لاختبار حدود القوة والنفوذ أكثر مما هي ساحة لإنهاء الحرب.
تركيا تحاول أن تكرّس نفسها كضامن للهدنة وراعٍ للتوازن الجديد، فيما تصر إسرائيل على الاحتفاظ بحقّها الحصري في الأمن والسيادة الميدانية. أما واشنطن، فهي تسير على الحبل المشدود بين الحليفين، تحاول أن توفّق بين متناقضين: إرضاء إسرائيل دون خسارة تركيا، وإبقاء الهدنة قائمة دون أن تتحول إلى هدنة ضد الفلسطينيين أنفسهم.
في هذا المشهد، يبقى الفلسطينيون الغائبين الحاضرين: موضوعًا للوساطة أكثر منهم طرفًا فيها. فبين تفاهمات الكبار وتنازلات الوسطاء، تذوب مطالبهم في لغة «الترتيبات الأمنية»، وتتحوّل غزة شيئًا فشيئًا إلى رمزٍ لعجز السياسة عن حماية الإنسان، حيث تُدار الهدنة كملف أمني لا كقضية وطنية، وتُختزل معاناة الملايين في صيغٍ ديبلوماسية تحاول فقط تأجيل الانفجار التالي.






