يُشكل الإعلان الرسمي عن اختتام عملية “العزم الصلب” وإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق نقطة تحول تاريخية تُنهي 12 عاماً من الوجود العسكري الأجنبي المباشر الذي انطلق عام 2014 لمواجهة تنظيم “داعش”. ومع إخلاء آخر المراكز اللوجستية والقواعد الحيوية في بغداد والأنبار وإقليم كردستان، تنتقل العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى أطر أمنية وثنائية قائمة على التدريب والتسليح والدعم الاستخباراتي؛ مما يضع القيادة العراقية أمام اختبار سيادي معقد لإدارة الفراغ الميداني وبسط السلطة الكاملة على السلاح داخل البلاد.
إغلاق القواعد وتغيير نمط الشراكة
إنهاء الوجود الميداني الاحترافي: جاء إخلاء مركز الدعم اللوجستي في مطار بغداد وقاعدة “عين الأسد” بالأنبار وقاعدة أربيل الجوية ليعلن الخروج الميداني الفعلي للتحالف، متوجاً بسلسلة انسحابات جرت بالتنسيق بين القيادات العسكرية العراقية والأميركية.
التحول نحو الإسناد النوعي: يقتصر الحضور الدولي المستقبلي وفق إعلان البنتاغون على تقديم الدعم الاستخباراتي والمشورة وتوفير التدريب الموجَّه للجيش العراقي، لتتولى القوات الاتحادية بالكامل مهمة مطاردة فلول تنظيم “داعش”.
التزام ثنائي بالضمانات: يعكس إتمام الانسحاب وفاء أطراف التحالف بالتزاماتها الأخيرية، مع إرساء آليات تنسيق أمني جديدة تُراعي سيادة العراق وتضمن في الوقت ذاته استقرار إقليم كردستان.
صراع الروايات وتحدي “حصرية السلاح”

تأكيد مبدأ سيادة القانون: وضع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خطاً أحمر واضحاً للمرحلة المقبلة بتأكيده القاطع على “عدم السماح بوجود أي سلاح خارج مظلة القانون”، في رسالة موجهة لكافة القوى والفصائل المسلحة.
استثمار النصر السياسي للمقاومة: في المقابل، سارعت “المقاومة الإسلامية” والفصائل المسلحة لوصف خروج التحالف بـ”الجلاء الصاغر” الناجم عن ضربات المسيّرات والصواريخ، معتبرة أن خطوة الانسحاب هي ثمرة مباشرة لخيار المواجهة الميدانية.
اختبار الاحتواء الداخلي: تضع الاحتفالات الشعبية والسياسية بالانسحاب الحكومة أمام تحدٍ حرج لترجمة شعار “حصرية السلاح” إلى خطوات واقعية، وتفادي الاصطدام مع تشكيلات سلاح الفصائل التي شاركت رسمياً وشعبياً في إحياء المناسبة.
إعادة التموضع وسد الفراغ الميداني
تأمين الثغرات الصحراوية: أعلنت بغداد تشكيل “قيادة قوات البادية” كتشكيل أمني متخصص لمنع الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية من استغلال المساحات الصحراوية المفتوحة كالمناطق الحدودية.
تكامل أمني مع إقليم كردستان: يترسخ التنسيق بين الحكومة الاتحادية وأربيل عبر تقديم الدعم الكامل لقوات البشمركة باعتبارها جزءاً أصيلاً من المنظومة الدفاعية والأمنية للدولة العراقية.
الاعتماد التام على القدرات الذاتية: تنتقل مسؤولية ضبط حدود البلاد وأمنها الداخلي بالكامل إلى الأجهزة العسكرية والقيادات الميدانية الوطنية، مدعومة بتنسيق استخباري دولي مركز دون حاجة لقوات قتالية أجنبية على الأرض.
تُثبت مجريات الجلاء العسكري للتحالف الدولي أن العراق يعبر إلى حقبة أمنية وسياسية جديدة؛ إذ لم يعد التحدي الرئيسي مقتصراً على إنهاء الوجود الأجنبي، بل بات يتركز في قدرة السلطة الاتحادية على ترجمة السيادة الميدانية إلى واقع ملموس، وفرض سلطة القانون وتوحيد القرار الأمني تحت مظلة مؤسسات الدولة الرسمية.






