التحليل الذي طرحه الكاتب الإسرائيلي إفرايم عنبار يعكس لحظة فارقة في الخطاب السياسي والأمني داخل إسرائيل، حيث تتصادم نشوة الانتصار العسكري مع إدراك القيود البنيوية التي تحكم قدرة تل أبيب على التحرك إقليميا. فالحرب الأخيرة، بما شملته من ضربات لمواقع إيرانية ومن إضعاف جزئي لحزب الله، غذّت وهما بأن إسرائيل ارتقت إلى مستوى قوة إقليمية قادرة على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. غير أن عنبار يحذر من أن هذه القراءة تتجاهل طبيعة التوازنات العميقة في المنطقة، وتستنسخ ما جرى عقب حرب 1967 حين قادت الثقة المفرطة إلى هزيمة مدوية عام 1973.
تقويض الردع الإسرائيلي
يرى الكاتب أن المشروع النووي الإيراني ما يزال قائما، وأن طهران لم تتخل عن طموحاتها رغم الخسائر، وهو ما يبقي خطر المواجهة معها قائما. كما أن حزب الله، رغم الضربات التي تلقاها، لا يزال يشكل قوة عسكرية وازنة في لبنان يصعب تحييدها سياسيا أو عسكريا. أما في سوريا، فإن انهيار سلطة بشار الأسد لم يفتح الباب فقط أمام النفوذ الإسرائيلي، بل جلب لاعبين إقليميين مثل تركيا، الأمر الذي قد يخلق احتكاكات مباشرة ويزيد المشهد تعقيدا.
ويؤكد عنبار أن المعركة في غزة تظل المحك الحقيقي لتحديد صورة النصر أو الهزيمة. فبقاء جزء من القطاع خارج السيطرة الإسرائيلية واحتفاظ المقاومة الفلسطينية بأسرى يعزز رواية الاستنزاف ويقوض الردع الإسرائيلي. كما أن إخفاق الجيش في الحسم السريع كشف عن محدودياته البنيوية، وألقى بظلال من الشك على قدرته في إدارة صراع طويل الأمد. في هذا السياق، يشير الكاتب إلى أن غزة قد تتحول إلى العقدة الإستراتيجية التي تحدد مآلات المشروع الإسرائيلي بأكمله، أكثر من إيران أو حزب الله.
كوارث إستراتيجية
وعلى المستوى البنيوي، يشدد عنبار على أن إسرائيل في جوهرها دولة صغيرة ذات موارد محدودة، لا تستطيع تحقيق اكتفاء ذاتي اقتصاديا أو عسكريا. فهي تعتمد بصورة شبه كلية على الدعم الأميركي، مما يجعلها رهينة للتحولات السياسية في واشنطن. كما أن تماسكها الداخلي بات مهددا بالانقسامات السياسية والمجتمعية، وهو عنصر لا يقل خطورة عن التهديدات الخارجية.
من هنا، يخلص الكاتب إلى أن تبني نهج يقوم على الحذر والتواضع، بدلا من الانجرار خلف أوهام القوة الإقليمية، هو الخيار الأكثر واقعية أمام صناع القرار في إسرائيل. فالتاريخ يعيد التذكير بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتثبيت الهيمنة، وأن تجاهل حدود الإمكانات الإسرائيلية قد يقود إلى كوارث إستراتيجية جديدة.






